مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ١١٦ - الخامسة إذا أعاد الوديعة بعد التفريط إلى الحرز لم يبرأ
..........
يترتّب عليها حكمها، الذي من جملته كون الودعي أمينا. و يمكن دخوله في قول المصنّف: «جدّد المالك له الاستئمان».
و منها: أن يجدّده له من غير أن يدفعها إليه، بأن يقول له أذنت لك في حفظها، أو أودعتكها، أو استأمنتك عليها، و نحو ذلك. و قد جزم المصنّف بعود الأمانة بذلك، و وجهه أنّ الضمان إنّما كان لحق المالك، و قد رضي بسقوطه بإحداثه ما يقتضي الأمانة.
و يمكن بناء ذلك على أنّ الغاصب إذا استودع هل يزول الضمان عنه أم لا؟
فإنّ المستودع هنا قد صار بتعدّيه بمنزلته. و المسألة موضع إشكال، إذ لا منافاة بين الوديعة و الضمان، كما في الفرض المذكور، فلا يزول الضمان السابق بتجدّد ما لا ينافيه، مع عموم قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» [١] و من أنّه قد أقام يده مقام يده، و جعله وكيلا في حفظها، و ذلك يقتضي رفع الضمان.
و قد سلف البحث في نظائرها في مواضع [٢] كالرهن و القراض. و الأقوى هنا زوال الضمان، لأنّ المستودع نائب عن المالك في الحفظ، فكانت يده كيده، و قبضه لمصلحته، فكان المال في يده بمنزلة ما إذا كان في يد المالك، بخلاف الرهن.
و منها: أن يبرئه من الضمان. و قد جزم المصنّف ببراءته أيضا. و الوجه فيه ما سبق من أنّ الضمان كان لحقّ المالك و قد أسقطه بالبراءة.
و يشكل: بأنّ معنى الضمان أنّ العين لو تلفت وجب عليه بدلها، و الحال أنّها الآن لم تتلف، فيكون الإبراء من الضمان إبراء ممّا لم يجب.
و يمكن دفعه: بأنّ الضمان المسبّب عن التعدّي معناه جعل ذمّة الودعيّ متعلّقة بالمالك على وجه يلزمه بدل المال على تقدير تلفه، و لزوم البدل ثمرة الضمان و فائدته لا نفسه، و الساقط بالإبراء هو الأوّل لا الثاني. و يدلّ على أنّ المراد من الضمان
[١] مسند أحمد ٥: ٨، سنن الدارمي ٢: ٣٤٢ ح ٢٥٩٦، سنن ابن ماجه ٢: ٨٠٢ ح ٢٤٠٠.
[٢] في ج ٤: ١٥- ٣٥٩.