نهاية الحكمة - العلامة الطباطبائي - الصفحة ٩٢٩
فقد تحصّل بما تقدّم أنّ الصورة العلميّة كيفما كانت ٣٧ مجرّدة من المادّة، خالية عن القوّة. و إذ كانت كذلك، فهي أقوى وجودا ٣٨ من المعلوم المادّيّ الذي يقع عليه الحسّ و ينتهي إليه التخيّل و التعقّل، و لها آثار وجودها المجرّد. و أمّا آثار وجودها الخارجيّ المادّيّ الذي نحسبه متعلّقا ٣٩ للإدراك، فليست آثارا للمعلوم بالحقيقة ٤٠- الذي يحضر عند المدرك- حتّى تترتّب عليه أو لا تترتّب؛ و إنّما هو الوهم يوهم للمدرك أنّ الحاضر عنده حال الإدراك هو الصورة المتعلّقة بالمادّة خارجا، فيطلب آثارها الخارجيّة، فلا يجدها معه، فيحكم بأنّ المعلوم هو الماهيّة بدون ترتّب الآثار الخارجيّة. فالمعلوم، عند العلم الحصوليّ بأمر له نوع تعلّق بالمادّة ٤١، هو
٣٧- قوله قدّس سرّه: «الصورة العلميّة كيفما كانت»
أي: سواء كانت حسيّة أم خياليّة أم عقليّة.
٣٨- قوله قدّس سرّه: «فهي أقوى وجودا»
لأنّ الفعليّة المحضة، التي لا تشوبها قوّة و لا يخالطها استعداد، أقوى و أشدّ وجودا ممّا هو بالقوّة محضا، كالهيولى الاولى، أو تشوبه القوّة و يخالطه الاستعداد، كالطبائع الماديّة. كما سيأتي في الفصل التاسع عشر من المرحلة الثانية عشرة.
٣٩- قوله قدّس سرّه: «الذي نحسبه متعلقا»
الصحيح ما أثبتناه، بخلاف ما في النسخ من قوله: «التي نحسبها متعلّقة».
٤٠- قوله قدّس سرّه: «للمعلوم بالحقيقة»
و يسمّى المعلوم بالذات.
٤١- قوله قدّس سرّه: «بأمر له نوع تعلّق بالمادّة»
النظر البدويّ كان يرى أنّ العلم الحصوليّ على قسمين، قسم يكون ما ينتزع عنه العلم مجرّدا، كالعلم الحصوليّ بالنفس و صفاته، و قسم يكون ما ينتزع عنه العلم مادّيّا، كالعلم الحصوليّ بالاشياء الخارجة عن النفس من المادّيّات. و الفرق بين النظر البدويّ و بين النظر الدقيق إنّما كان في القسم الثاني، و لهذا أتى بقوله: «بأمر له نوع تعلّق بالمادّة»، و إلّا فالعلم الحصوليّ مطلقا مأخوذ في النظر الدقيق من العلم الحضوريّ.