الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٢٤
واحدة، وجوهر واحد، به يكون تجوهره، وبه بعينه يحصل عنه شيء آخر.
ولا أيضًا يحتاج في أن يفيض عن وجوده وجود شيء آخر إلى شيء غير ذاته يكون فيه، ولا غرض يكون فيه، ولا حركة يستفيد بها حالًا لم تكن له، ولا آلة خارجة عن ذاته، مثلما تحتاج النار -في أن يكون عنها، وعن الماء بخار- إلى حرارة تبخر بها الماء، وكما تحتاج الشمس -في أن تسخن ما لدينا- إلى أن تتحرك هي ليحصل لها بالحركة ما لم يكن لها من الحال، فيحصل عنها -وبالحال التي استفادتها بالحركة- حرارة فيما لدينا، أو كما يحتاج النجار إلى الفأس، وإلى المنشار حتى يحصل عنه في الخشب انفصال، وانقطاع وانشقاق.
وليس وجوده، بما يفيض عنه وجود غيره، أكمل من وجوده الذي هو بجوهره، ولا وجوده الذي بجوهره أكمل من الذي يفيض عنه وجود غيره، بل هما جميعًا ذات واحدة.
ولا يمكن أيضًا أن يكون له عائق من أن يفيض عنه وجود غيره، لا من نفسه ولا من خارج أصلًا"١.
فالموجودات تفيض عن الأول لا من قصد منه يشبه قصودنا، ولا عن طبع بحيث لا تكون له معرفة، ورضى بصدورها -وإنما ظهرت الأشياء عنه لكونه عالمًا بذاته، وبأنه مبدأ النظام الخير في الوجود على ما يجب أن يكون عليه، وإنما علمه هو العلة لوجود الأشياء، وعلمه للأشياء ليس علمًا زمانيًا، ووجوده هو بعينه وجوده الذي به يحصل وجود غيره عنه.
وإذا فاضت الموجودات عنه، كانت بترتيب مراتبها، "فحصل عنه لكل موجود قسطه الذي له من الوجود من مرتبته منه، فيبتدي من أكملها وجودًا، ثم يتلوه ما هو أنقص منه قليلًا، ثم لا يزال بعد ذلك يتلو الأنقص، إلى أن ينتهي إلى الموجود الذي إن تخطي عنه إلى ما دونه، تخطي إلى ما لم يمكن أن يوجد أصلًا، فتنقطع الموجودات من الوجود"٢.
١ الفارابي: "آراء أهل المدينة الفاضلة" ص٥٥-٥٦، ط٣ بيروت سنة ١٩٧٣. وقد رددنا النص في بعض المواضع إلى أصله الموثق بالمخطوطات، إذ معظم تصحيحات يوسف كرم تحكمية لا تبررها المخطوطات، ولا داعي إليها.
٢ الكتاب نفسه ص٥٧.