تاريخ معالم المدينة المنورة قديماً و حديثاً - الخياري، أحمد ياسين - الصفحة ١٢٠ - صب الرصاص حول قبر النبي صلى اللّه عليه و سلم و القبور التي معه داخل الحجرة الشريفة النبوية، و الأسباب الداعية إلى ذلك
السلطان المذكور كان له تهجد يأتي به في الليل و أوراد يأتي بها، فنام عقب تهجده فرأى النبي صلى اللّه عليه و سلم في نومه و هو يشير إلى رجلين أشقرين و يقول: أنجدني، أنقذني من هذين. فاستيقظ فزعا، ثم توضأ و صلى و نام. فرأى المنام بعينه، فاستيقظ و صلى و نام، فرأى المنام أيضا مرة ثالثة، فاستيقظ و قال: لم يبق نوم. و كان له وزير من الصالحين يقال له:
جمال الدين الموصلي، فأرسل إليه ليلا، و حكى له جميع ما اتفق له.
فقال: و ما قعودك؟اخرج الآن إلى المدينة المنورة، و اكتم ما رأيت.
فتجهز في بقية ليلته، و خرج على رواحل خفيفة في عشرين نفرا، و في صحبة الوزير المذكور و مال كثير. فقدم المدينة المنورة في ستة عشر يوما، فاغتسل خارجها، و دخل فصلى في الروضة، و زار ثم جلس لا يدري ماذا يصنع، فقال الوزير و قد اجتمع أهل المدينة المنورة في المسجد: إن السلطان قصد زيارة النبي صلى اللّه عليه و سلم [١] ، و أحضر معه أموالا لتوزيعها، فاكتبوا من عندكم. فكتبوا أهل المدينة المنورة كلهم، و أمر السلطان بحضورهم، و كل من حضر ليأخذ يتأمله ليجد فيه الصفة التي أراها له النبي صلى اللّه عليه و سلم في المنام فلا يجد تلك الصفة، فيعطيه و يأمره بالانصراف، إلى أن انقضت الناس، فقال السلطان: هل بقي أحد لم يأخذ شيئا من الصدقة؟قالوا: لا. فقال: تفكروا و تأملوا. فقالوا: لم يبق أحد إلا رجلين مغربيين لا يتناولان من أحد شيئا، و هما صالحان غنيان يكثران الصدقة على المحتاجين. فلما سمعه السلطان انشرح صدره، و قال: عليّ بهما. فأتي بهما، فرآهما الرجلين اللذين أشار
[١] قوله قصد زيارة النبي صلى اللّه عليه و سلم فيه أمران:
أحدهما: أن الصواب أن يقال: قصد زيارة قبر النبي صلى اللّه عليه و سلم.
و الثاني: أن زيارة قبر النبي صلى اللّه عليه و سلم مشروعة بدون شد الرحال.