الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٥٢ - ولاة المدينة في العهد العباسي
الأفراد عدم التعاون مع ولاة الأمر، و حرم عليهم العمل لهم، و حذر و أوعد من عاونهم بالعذاب لأنه كبيرة من الكبائر، إذ الوالي الجائر يشتد عزمه و تتسع دائرة استبداده عند ما يكثر مناصروه.
كان الإمام (عليه السلام) يرى أن انفصال الأمة عن الظالمين و عدم الركون إليهم يضيق دائرة الاستبداد و يرغم الولاة على العدل، و يأمل من وراء ذلك لهم السعادة، و الغرض أن ولاة ذلك العصر أو خلفاء الدولة المروانية قد انهمكوا في الدنيا و سفكوا الدماء، و انتهكوا المحرمات و تجاهروا في عداء آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و تتبعوا من عرف بحبهم، و الميل إليهم، و تقريب من عرف ببغضهم، و هم يحاولون بذلك تحويل أنظار الأمة عن أهل البيت أهل العلم و الورع و العبادة. و الناس و إن تمكن من نفوسهم حب الدنيا و الطموح إلى المال فهم يخضعون لسيطرة العلم و الدين بدافع العقيدة، و حب الناس، لآل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لا للدنيا و لكنه للدين وحده، فحبهم من الدين، لذلك كان يثقل على بني أمية ذكر أهل البيت بخير، لأن سياستهم ترتكز على بغضهم و نصب العداء لهم، و إقصاء من عرف بحبهم، و قتل من اتضح منه ذلك. تارة باسم الزندقة و أخرى باسم الخروج على طاعة السلطان.
و يعطينا الشاعر العبلي [١] صورة عن تلك السياسة بقوله:
شردوا بي عند امتداحي عليا* * * و رأوا ذاك فيّ داء دويا
فو ربي ما أبرح الدهر حتى* * * تختلي مهجتي بحبي عليا
و بنيه لحب أحمد أني* * * كنت أحببتهم بحبي النبيا
حب دين لا حب دنيا و شر* * * الحب حب يكون لي دنيويا
صاغني اللّه في الذوابة منهم* * * لا ذميما و لا سنيدا دعيا
و كان هذا الشاعر في عداد الأمويين، فهو من عبد العزى بن عبد شمس و لكن يكره ما يجري عليه بنو أمية من ذكر علي و سبه على المنابر، و يظهر الإنكار، فنهوه عن ذلك و نفوه من مكة إلى المدينة، و عاش مجفوا من الأمويين مع مدحه لهم و شعره فيهم.
[١] هو عبد اللّه بن عامر بن عبد اللّه بن ربيعة بن عبد العزى.