الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٩٦ - تطور الخلاف في مسألة التفضيل
مما أدى إلى مخالفة الواقع و الابتعاد عن الحق، كما وصف ذلك ابن قتيبة و غيره، و لا يسع المجال لبسط القول في ذكر تلك الأوضاع السياسية التي سار عليها ولاة الأمر، و حملوا الناس على الخضوع لها، و لا يستغرب أن تكون نزعة الدولة نزعة عداء لأهل البيت، و لكن الغريب أن يتأثر فيها بعض من عرف بالفهم، و وسم بالعلم، و لم يمنح عينا تدرك الحقائق.
و لا نريد أن نرجع إلى الماضي، و نقف عند تلك المحاولات التي اتخذها خصوم أهل البيت في العصر الأموي ليمحوا بذلك ذكرهم، فقد مر كثير من الإشارة إليها، كما أنا لا نريد أن نحاسب ابن عمر [١] على روايته في التفضيل التي كانت سببا لإيجاد تلك المشاكل، و لا نريد أن ندرس نفسيته لنعرف الأسباب التي حملته على ذلك القول، و ادعائه أمرا لم يكن له أهلية الاتصاف به لحداثة سنه و خمول ذكره.
أخرج البخاري من طريق ابن عمر أنه قال: كنا نخير بين الناس فنخير أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان بن عفان رضي اللّه عنهم [٢].
و فيه أيضا بلفظ: كنا في زمن النبي لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر ثم عثمان [٣].
و هذه الرواية هي عمدة ما تمسك به القوم في بحث الإمامة، تقليدا لابن عمر، و جريا مع الظروف و سياسة الزمن، فنحن لا نريد أن نطيل الوقوف على هذه الرواية، و لا نريد أن نناقشها سندا و دلالة، و قد كفانا البحاثة الكبير العلامة الأميني نقاشها في
[١] كان من رأي عمر في ابنه أنه لا يحسن أن يطلق امرأته، و لم يره أهلا لشيء، و ليس فيما (وقذته العبادة) شهادة له بل من جملة ما كان يبعد عمر عن ابنه، و قد كان ظن الوالد بابنه صحيحا حتى أنه بمرور الأيام لم ينصر الحق و لم يميز بين إمام الهدى و قائد البغاة فامتنع عن بيعة الإمام علي و طرق على الحجاج بابه ليلا ليبايع عبد الملك كيلا يبيت تلك الليلة بلا إمام فأخرج الحجاج رجله من الفراش و قال لابن عمر: أصفق بيدك عليها!! و يبدو أن الحجاج علم حقيقة ابن عمر مما اشتهر عنه بعد موقعة الحرّة أو مأساتها و دعوته إلى عدم خلع الطاعة و نكث البيعة فيما خلع الناس يزيد بن معاوية. راجع صحيح مسلم ج ٢ ص ١٢١.
و مسند أحمد ج ٢ ص ٤٨.
[٢] البخاري ج ٥ ص ٢٤٢.
[٣] البخاري ج ٥ ص ٢٦٢.