الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٤١ - المدونة
رحل من الأندلس عبد الملك بن حبيب، فأخذ عن ابن القاسم و طبقته، و بث مذهب مالك في الأندلس، و دون فيه كتاب الواضحة، ثم دون العتبي من تلامذته كتاب العتيبية.
و رحل من افريقية أسد بن الفرات، فكتب عن أصحاب أبي حنيفة أولا، ثم انتقل إلى مذهب مالك، و كتب عن ابن القاسم في سائر أبواب الفقه، و جاء إلى القيروان بكتابه و سماه الأسدية نسبة إلى أسد بن الفرات، فقرأها سحنون على أسد، ثم ارتحل إلى المشرق، و لقي ابن القاسم و أخذ عنه، و عارضه بمسائل الأسدية، فرجع عن كثير منها، و كتب سحنون مسائلها. و دونها و أثبت ما رجع عنه، و كتب لأسد أن يأخذ بكتاب سحنون فأنف من ذلك، فترك الناس كتابه و اتبعوا مدونة سحنون على ما كان فيها من اختلاط المسائل في الأبواب، فكانت تسمى المدونة و المختلطة و عكف أهل القيروان على هذه المدونة، و أهل الأندلس على الواضحة و العتيبية، ثم اختصر ابن أبي زيد المدونة و المختلفة في كتابه المسمى بالمختصر و لخصه أيضا أبو سعيد البرادعي من فقهاء القيروان في كتابه المسمى بالتهذيب، و اعتمده المشيخة من أهل افريقية، و أخذوا به و تركوا ما سواه. و كذلك اعتمد أهل الأندلس كتاب العتيبية، و هجروا الواضحة و ما سواها. و لم يزل علماء المذهب يتعاهدون هذه الأمهات بالشرح، و الإيضاح و الجمع، فكتب أهل افريقية على المدونة ما شاء اللّه أن يكتبوا مثل ابن يونس، و اللخمي، و ابن محرز التونسي و ابن بشير و أمثالهم. و كتب أهل الأندلس على العتيبية ما شاء اللّه أن يكتبوا مثل ابن رشد و أمثاله. و جمع ابن أبي زيد جميع ما في الأمهات من المسائل و الخلاف و الأقوال في كتاب النوادر فاشتمل على جميع أقوال المذهب و فروع الأمهات كلها في هذا الكتاب، و نقل ابن يونس معظمه في كتابه على المدونة، و زخرت بحار المذهب المالكي في الأفقين إلى انقراض دولة قرطبة و القيروان، ثم تمسك بهما أهل المغرب بعد ذلك إلى أن جاء كتاب أبي عمرو بن الحاجب لخص فيه طرق أهل المذهب في كل باب، و تعديد أقوالهم في كل مسألة فجاء كالبرنامج للمذهب [١].
[١] مقدمة ابن خلدون ص ٣٧٧.