الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢١١ - حركات التعصب بين المذاهب
مذهب إلى مذهب حتى قالوا: «إن من يصير حنفيا يخلع عليه، و من يصير شافعيا يعزر» [١].
فهذا أبو سعيد المتوفى سنة ٥٦٢ ه- كان حنفي المذهب و تحول شافعيا، و لقي عناء و امتحن لذلك، و هذا السمعاني لما انتقل من المذهب الحنفي إلى المذهب الشافعي لقي محنا و تعصبا و قامت الحروب على ساق، و اضطرمت نيران الفتنة بين الفريقين، فكانت تملأ ما بين خراسان و العراق و اضطرب أهل مرو لذلك اضطرابا فظيعا، و فتحت باب المشاقة، و تعلق أهل الرأي بأهل الحديث و ساروا إلى باب السلطان إلى آخر ما وصفه السبكي [٢] في الطبقات.
و الشيخ عبد العزيز بن الخزاعي كان من أكابر المالكية، فلما قدم الإمام الشافعي بغداد تبعه و قرأ عليه كتبه و نشر علمه، و الشيخ محمد بن عبد اللّه المتوفى سنة ٢٦٨ ه- كان على مذهب الإمام مالك فلما قدم الشافعي إلى مصر انتقل إلى مذهبه ثم رجع، و أبو جعفر بن نصر الترمذي سنة ٢٩٥ ه- رأس الشافعية بالعراق كان حنفيا فلما حج انتقل إلى مذهب الشافعي، و أبو جعفر الطحاوي كان شافعيا و تفقه على خاله المزني ثم تحول حنفيا بعد ذلك، و الخطيب البغدادي الحافظ المتوفى سنة ٤٩٣ ه- كان حنبليا ثم صار شافعيا، و ابن فارس صاحب كتاب المجمل في اللغة، كان شافعيا تبعا لوالده ثم انتقل إلى مذهب مالك، و السيف الآمدي الأصولي المشهور المتوفى سنة ٦٣١ ه- كان حنبليا ثم تحول إلى مذهب الشافعي، و الشيخ محمد بن الدهان النحوي المتوفى سنة ٥٩٠ ه- كان حنبليا ثم انتقل إلى مذهب الشافعي ثم تحول حنفيا حينما طلب الخليفة نحويا يعلم ولده النحو ثم تحول شافعيا، و الشيخ تقي الدين محمد بن علي بن دقيق العيد كان أولا مالكيا ثم تحول إلى مذهب الشافعي و كل هؤلاء امتحنوا و عذبوا من قبل أنصار المذهب الذي يتحولون منه و أمثالهم كثيرون.
و قد طغت موجة التعصب حتى أصبح التكتم بالمذهب لازما. يقول أبو بكر محمد بن عبد الباقي المتوفى سنة ٥٣٥ ه- و كان حنبليا:
احفظ لسانك لا تبح بثلاثة* * * سن و مال ما استطعت و مذهب
[١] انظر الدين الخالص ج ٣ ص ٣٥٥.
[٢] طبقات الشافعية ج ٣ ص ٢٢.