الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٠١ - تظاهر المنصور بالعدل
و لكنها أمور ادعائية لا صلة لها بالواقع. فهو يقول في خطبة أخرى:
الحمد للّه أحمده و أستعينه و أؤمن به و أتوكل عليه، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له. فاعترضه معترض عن يمينه- و هو أبو الجوزاء- فقال: أيها الإنسان أذكرك من ذكرت به؟.
فقطع الخطبة، ثم قال: سمعا سمعا لمن حفظ عن اللّه و ذكر به، و أعوذ باللّه أن أكون جبارا عنيدا. ثم التفت إليه قائلا له: و إياك و إياكم معشر الناس أختها، فإن الحكمة علينا نزلت، و من عندنا فصلت فردوا الأمر إلى أهله توردوه موارده، و تصدروه مصادره، و عاد إلى خطبته.
فهو بهذا الرد يخيف الناس و يهدد من يرد عليه أو ينقد عمله، لأنه يظهر نفسه بالمحافظة على الدين، و أنه يحكم بأمر اللّه، و لا يتبع الهوى، و أنه رجل عدل، و مثال تقوى، إذ هو سلطان اللّه، يعمل بمشيئته و لا يخالف حكمه، و كان ينقد سياسة الأمويين و أعمالهم مع أن عهده كان امتدادا للحكم الأموي و زيادة.
قال المنصور يوما لعبد الرحمن الافريقي: كيف سلطاني من سلطان بني أمية؟.
فقال عبد الرحمن: ما رأيت في سلطانهم شيئا من الجور إلا رأيته في سلطانك [١].
و كان عبد الرحمن هذا من أهل افريقيا يطلب العلم مع المنصور قبل الخلافة، فلما ولي المنصور و ظهر الجور في عهده قدم عبد الرحمن على المنصور فأقام ببابه شهرا لا يمكنه الدخول عليه.
فلما أذن له بالدخول قال له المنصور: ما أقدمك؟
قال: ظهر الجور ببلادنا فجئت لأعلمك، فإذا الجور يخرج من دارك. و رأيت أعمالا سيئة، و ظلما فاشيا، ظننت لبعد البلاد منك، فجعلت كلما دنوت منك كان الأمر أعظم. فغضب المنصور، و أمر بإخراجه [٢].
[١] تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٠٥.
[٢] تاريخ بغداد ج ١٠ ص ٢١٥.