الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٨٩ - مالك و مسألة التفضيل
يتساوى الناس. فهو لا يرى لعلي (عليه السلام) ميزة عن سائر الصحابة كما يروى عنه، و من الغريب ذلك، فهو يكاد ينفرد بهذا الرأي، و يمتاز عن سائر علماء الأمة بهذه النزعة، كما أنه لم يرو عن علي في موطأه.
و لم تكن مسألة التفضيل من الأمور الاعتيادية التي يمر عليها المؤرخ أو الكاتب فلا يعطيها مزيدا من البيان، فهي من أعظم المشاكل التي حلت في المجتمع الإسلامي، و لها تمام الأثر في تطور الأوضاع و إثارة نار البغضاء بين المسلمين، لتدخل السياسة فيها، و ما تدخلت السياسة في أمر إلا و جعلته عرضة للاضطراب و التقلب، و لو انفردت القضية عن ذلك لما كان من ورائها ما كان، و لسارت على ضوء العلم و الواقع، و تجردت عن الظنون و الاتهامات و انتهت بالدليل و الإقناع، و لكنها في الواقع كانت بالإرهاب و القهر و العسف، أو الإغراء و الخداع السياسي.
و قد حاولنا بقدر الإمكان أن لا نتعرض للأمور التي أثارتها أغراض المتعطشين على السيادة، لتفريق كلمة الأمة، و إيجاد مشاكل يحاولون من وراء إيجادها حل مشاكلهم السياسية، لأنهم يريدون أن يرغموا الأمة على اتباع آرائهم، و تصديق أقوالهم، و لا يكون هناك رأي إلا ما تراه الدولة، فإذا وقف المفكرون إلى جانب غير جانبها فهناك الخطر العظيم من الاضطهاد و الاتهام بالعقائد الفاسدة، لأن الاستقلال في الرأي لم يكن من صالح الدولة، و هم يحاولون توجيه الناس إلى حيث اتجهوا.
فالمخالف لذلك يتهم بالخروج على الدولة مرة، و عن الدين أخرى.
و من أعظم المسائل في تاريخ الإسلام هي مسألة التفضيل، فقد جعلوا عنوان الرفض هو: محبة الإمام علي (عليه السلام) و تفضيله على الصحابة. يقول ابن حجر في مقدمة فتح الباري: و التشيع محبة علي و تقديمه على الصحابة فمن قدمه على أبي بكر و عمر فهو غال في تشيعه و يطلق عليه رافضي، و إلا فشيعي.
فالشيعي في عرفهم هو محبة علي (عليه السلام). أما إذا فضله على أبي بكر و عمر فهو الرافضي. و ناهيك ما وراء كلمة الرافضي من خطر عظيم، فقد اتخذته السلطة ذريعة للقضاء على كثير من رجال الأمة الذين لم ينحازوا إليها، و لم يتعاونوا معها و يقفوا إلى جانبها، و اتخذت هناك الخدع و المكائد التي تؤدي إلى سفك الدماء، و قام المتمرغون على أعتاب الظلمة، و المتنعمون في خيرات الدولة بما يجلب قلوب ولاة الأمر إليهم في إلصاق العيوب بالشيعة، و ذمهم و الطعن في عقائدهم، حتى قال