الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٤٥ - عمل أهل المدينة
و بفحوى الخطاب و بظاهر القرآن، و يقول في العموم كذا، و الحقيقة أن هذه ليست أقوالا له مأثورة قد ذكرها و رويت عنه، بل هي مستخرجة من الفروع التي أثرت عنه و أدلتها التفصيلية التي ذكرت بجوارها أو ذكرها الفقهاء من بعده لها و لا يمكن الاستدلال بسواها» [١].
فأصبح ذلك المجهود الذي بذله علماء المالكية هو مجموع أصول المذهب المالكي، و في أكثرها مخالفة لرأي مالك، أو تفردهم بما لم يرد من مالك أثر فيه، فقد ظهرت بعد وفاته آراء لكبار تلاميذه خالفوه فيها، و دونوا تلك المخالفة.
و الشواهد كثيرة على مخالفة أصحاب مالك له من بعده، فهذا يحيى الأندلسي يخالفه في مسألة الشاهد و يمين صاحب الحق، و هذا أشهب تروى مخالفته حتى أن أسد بن الفرات لما أراد أن يدون آراء مالك و لجأ إلى أشهب لم يستطع عند التدوين التفرقة بين آراء التلميذ و شيخه مالك فعدل عنه و عاب مسلكه و لجأ إلى عبد الرحمن بن القاسم يأخذ منه، فقد جاء في مقدمات ابن رشد ما نصه:
قدم أسد يسأل مالكا (رحمه اللّه) فألفاه قد توفي، فأتى أشهب ليسأله، فسمعه يقول: أخطأ مالك في مسألة كذا، و أخطأ في مسألة كذا فتنقصه بذلك و عابه و لم يرض قوله، و التجأ إلى ابن القاسم ليأخذ عنه آراء مالك و فقهه فقد كان أيضا يخالف مالكا و قد دون ذلك، فقد جاء في مدونة سحنون آراء صريحة في مخالفة مالك.
و أهم الأصول التي كان يعتمد عليها مالك في منحاه الاجتهادي كثيرة منها:
عمل أهل المدينة:
كان مالك قد أعطى ما جرى عليه العمل في المدينة أهمية كبرى، و هو يرد الحديث لأنه لم يجر عليه عمل، و يرى أن أهل المدينة أدرى بالسنة و بالناسخ و المنسوخ كما أشار لذلك في رسالته إلى الليث بن سعد إذا يقول فيها:
فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، و بها نزل القرآن و أحل الحلال و حرم الحرام، إذ رسول اللّه بين أظهرهم، إلى أن يقول:
فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرا معمولا به لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من
[١] مالك لمحمد أبو زهرة ص ٢٥٥.