الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥١ - اتهامات المنصور للإمام الصادق
بلاد فارس، و صاحب السلطان في ذلك الدور، فإن أبا مسلم كان يدعو الناس إلى الرضا من آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و أعلن غضبه على بني أمية لأنهم ظلموا أهل البيت، و أراقوا دماءهم، و أراد إسناد الأمر لآل علي (عليه السلام) لأنهم أحق بهذه الدعوة من غيرهم، فكتب إلى الإمام الصادق (عليه السلام) و هو زعيم أهل البيت و سيدهم في عصره، و إليه تطلعت الأنظار، و اتجهت القلوب- و قال في كتابه للإمام الصادق (عليه السلام):
إني قد أظهرت الكلمة، و دعوت الناس عن موالاة بني أمية إلى موالاة أهل البيت، فإن رغبت فلا مزيد عليك.
فأجاب الإمام الصادق (عليه السلام): ما أنت من رجالي، و لا الزمان زماني [١].
فهو (عليه السلام) بنظره الصائب و منهجه السديد، و علمه بما وراء الحوادث، لا يرى أن يستجيب لدعوة لا تتركز على ما يؤمل فيه تحقيق أهداف الأمة الإسلامية و إصلاح الأوضاع الفاسدة، لعلمه بأن هؤلاء الذين أظهروا الولاء لم يكونوا مخلصين في ذلك و إنما هناك غايات لا يمكنه أن يوافقهم على تحقيقها فهو ينظر إلى الأمور بمنظار الواقع، و يسير على خطط حكيمة و آراء سديدة في تقدير الظروف و مناسباتها.
و قد أخبر (عليه السلام) من قبل بصيرورة الخلافة لبني العباس دون غيرهم من الهاشميين (و لذلك كان أسد الهاشميين رأيا بمعارضته لبيعة النفس الزكية. و الواقع أن أئمة أهل البيت كثر تحدثهم قبل عصر الصادق عن الدولة الهاشمية و تعددت إشاراتهم إلى ملك بني العباس، و أنهم سيطئون أعناق الرجال، و يملكون الشرق و الغرب و يجمعون من الأموال ما لم يجتمع لأحد من قبلهم، و أن مدة ملكهم ستطول، و تكون أضعاف مدة الدولة الأموية، و قد أخبروا بهذه الحوادث قبل وقوعها) [٢].
كما أنهم كانوا ذوي تجارب سياسية، و اختبارات اجتماعية تقيض لخواطرهم نوعا من الفراسة و استطلاع الحوادث التي لا بد لها أن تقع في ميادين الانقلابات الحزبية و الثورات المتشابكة في طول الدولة الإسلامية و عرضها.
[١] الملل و النحل ج ١ ص ٢٤١.
[٢] مؤرخ العراق ابن الفوطي لفضيلة العلامة الشبيبي.