الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٤٢ - المدونة
و لقد كان أهل الأندلس يغالون في مالك و فقهه: قال البيهقي: إن الشافعي إنما وضع الكتب على مالك: أنه بلغه أن بالأندلس قلنسوة لمالك يستسقى بها، و كان يقال لهم: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فيقولون: قال مالك، فقال الشافعي: إن مالكا بشر يخطئ، فدعاه ذلك إلى تصنيف الكتاب في اختلافه معه [١].
و على الجملة فإن انتشار مذهب مالك في الأندلس يعود أمره إلى قوة السلطان، فإنه قد حمل أهل مملكته عليه [٢] و قد كانوا يعملون بمذهب الأوزاعي. و كان يحيى بن يحيى الليثي مقدما مكينا عند السلطان فنشر المذهب هناك، إذ جعل إليه تعيين القضاة، فلم يول إلا من كان على مذهبه، حتى اضطر القضاة الذين كانوا على غير مذهب مالك أن يلتزموا الفتوى به، نظرا لإلزام السلطة.
فهذا القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الجماعة بقرطبة المتوفى سنة ٣٥٥ ه- كان يتفقه بمذهب الظاهري، و يقضي بمذهب مالك و أصحابه، لأنه ألزم بالعمل به من قبل السلطان [٣].
و يعود ذلك إلى ثناء مالك على ملك الأندلس عند ما سئل عن سيرة الملك، فذكر له عنها ما أعجبه، فقال مالك: نسأل اللّه أن يزين حرمنا بملككم، فلما بلغ قوله إلى الملك حمل الناس على مذهبه بالقهر [٤].
و يقول المقريزي: لما ولي المعز باديس حمل جميع أهل افريقيا و أهل الأندلس على التمسك بمذهب مالك و ترك ما عداه، فرجع أهل افريقيا و أهل الأندلس كلهم إلى مذهبه رغبة فيما عند السلطان و حرصا على طلب الدنيا، إذ كان القضاء و الإفتاء في جميع تلك المدن لمن سمي بمذهب مالك، فاضطرت العامة إلى أحكامهم و فتاواهم ففشي هذا المذهب هناك [٥].
[١] توالي التأسيس للحافظ ابن حجر ص ٧٦.
[٢] نفح الطيب ج ٦ ص ٤٥.
[٣] نفح الطيب ج ٦ ص ٤٥.
[٤] ميدان الاجتهاد.
[٥] الإمام الصادق و المذاهب الأربعة. الجزء الأول.