الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٥٨ - انتشاره في الأقطار الإسلامية
و انتشر بسبب دعوته، و كانت حركة العلم واسعة حتى اليوم، فالتشيع في لبنان منتشر بكثرة و يسير بكل نظام و هدوء، محفوظ الحقوق، مرعي الجانب، و لهم في جامعة النجف الأشرف جماعة، و تخرج منها عدد كثير من أبطال العلم، و حملة دعوة الإصلاح، و منهم المجتهدون المجاهدون في نصرة الدين و جمع كلمة المسلمين.
و يقول الأستاذ كرد علي أيضا: إن في حمص قرى للشيعة خاصة، و في نفس المدينة جماعات ظاهرة و مستترة، و في أعمال ادلب قرى الغوغة و نبل و غيرهما، و كلها شيعة و فيهما إلى اليوم السادة بنو زهرة نقباء الأشراف في مدينة حلب، و كل هؤلاء من بقايا زمن الحمدانيين و من فلول شيعة حلب يوم تشتت شملهم.
يشير بذلك إلى الكارثة التي أصابت الشيعة عند ما أفتى الشيخ نوح الحنفي بكفر الشيعة و استباحة دمائهم تابوا أو لم يتوبوا، فقتل بسبب هذه الفتوى أربعون ألفا من الشيعة، و انتهبت أموالهم و أخرج الباقون إلى القرى.
و غلب مذهب التشيع في حلب بصورة ظاهرة و لهم قوة استطاعوا أن يمنعوا سليمان بن عبد الجبار صاحب حلب عن بناء المدرسة الزجاجية و ذلك في سنة ٥١٧ ه-. و سرى التشيع في إفريقيا بانتشار عظيم، إلى أن قاومته السلطة، يوم كان أمير إفريقيا المعز بن باديس، فإنه فتك بالشيعة فتكا ذريعا و ذلك في عام ٤٠٧ ه- فقد أوقع بهم وقيعة عظيمة، و نسبوا ذلك إلى سب الشيخين و هي المادة التي يطبقها الولاة على من يريدون الفتك به من أي الفرق كان.
و ذلك أن المعز بن باديس مر على جماعة من الشيعة في القيروان و قد سأل عنهم، فلما أحس الناس من المعز الميل عنهم انصرفت العامة من فورها إلى مجتمعات الشيعة، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، و توجه العسكر للنهب، و شجعهم عامل القيروان فقتل منهم خلق كثير، و أحرقوا بالنار، و نهبت دورهم، و تتبعوهم في جميع إفريقيا، و اجتمع جماعة منهم إلى قصر المنصور قرب القيروان فتحصنوا به، فحصرهم العامة و ضيقوا عليهم، فاشتد عليهم الجوع فأقبلوا يخرجون و الناس يقتلونهم حتى قتلوا عن آخرهم، و لجأ منهم بالمدينة إلى الجامع فقتلوا كلهم [١].
و هذه إحدى النكبات الفظيعة التي لاقاها التشيع و ما أكثرها، و مع ذلك فإن
[١] الكامل لابن الأثير ج ٩ ص ١٢٣ ط ١.