الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٧٧ - حركة التدوين عند الشيعة
و من الظلم و عدم إنصاف الحق الإعراض عن ذكرهم في السبق إلى تدوين العلم، و تعليم الأمة، و لو فسح المجال و تخلت السلطة عن التدخل في شئون العلم لأغراضها لتحررت الأفكار من ذلك الجمود الذي فرضته السلطة و ذكرت الحقيقة التي ترعب الحكام.
و مما لا شك فيه أن حركة التدوين عند الشيعة كانت أسبق من غيرهم، و إثبات ذلك لا يستدعي كثير مشقة و مزيد عناء، و لكن الشيء الذي أدى إلى أن يتأخر ذكرهم في السبق: هو أن فقههم و حديثهم مأخوذ عن أهل البيت الذين أمر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) باتباعهم، و لا يخفى على المتتبع المنصف معارضة الأمويين و العباسيين لإظهار ذكر آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و نشر مآثرهم، فإنهم يرون إظهار ذلك إضعافا لحكمهم و معارضا لسياستهم، و قد منع الأمويون جميع المحدثين أن يذكروا عليا و أهل بيته بخير و لا يروون حديثهم، فكان العلماء إذا أرادوا أن يحدثوا عن علي كنوه بأبي زينب أو أشاروا إليه بإشارة متفق عليها.
و لما جاء الدور العباسي و نشطت الحركة العلمية و ظهرت النزعة إلى التدوين و قاموا في تشجيعها، كانت الشيعة في طليعة السابقين لذلك، و لكن سياسة الدولة و تطور الزمن أدى إلى أن يصبح المتتبع لآثار آل محمد في الأحكام- بل المعروف بحبهم- متهما بجرم لا يغفر، حتى امتحن كثير من العلماء.
فهذا الإمام الشافعي على ما هو فيه من اتضاح الحالة و النزعة اتهم في التشيع، و حوسب على ذلك، لأنه كان يظهر حب عليّ و يعتمد على أحكامه في أحكام البغاة على الإمام.
و كذلك الحاكم صاحب المستدرك لأنه كان يطعن على معاوية و روى في كتابه حديث الموالاة و غيره.
و الحافظ الدارقطني اتهم بالتشيع لأنه كان يحفظ ديوان السيد الحميري.
و الحافظ النسائي عذب بل مات من أثر ذلك لأنه حدث بفضائل عليّ و لم يحدث بفضائل معاوية، إلى عدد كثير من العلماء المعذبين باتهامهم في التشيع، و ليسوا كذلك. و إنما الشيء الذي أوجب اتهامهم هو: إما رواية مناقب أهل البيت، أو استنباط مسألة من الأحكام من طريقتهم و تلك حقيقة ملموسة، أبرزها التأريخ في مرآته