الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٩٨ - كلمات حول تنازع المذاهب
ذلك، و إذا وقعت لهم واقعة نادرة استفتوا فيها أي مضت وجدوا من غير تعيين مذهب.
و أما العلماء فكانوا على مرتبتين: منهم من أمعن في تتبع الكتاب و السنة و الآثار حتى حصل له بالقوة القريبة من الفعل ملكة تؤهله لفتيا الناس يجيبهم في الوقائع غالبا بحيث يكون جوابه أكثر مما يتوقف فيه و يخص باسم المجتهد، و هذا الاستعداد يحصل تارة باستفراغ الجهد في جميع الروايات، فإنه ورد كثير من الأحكام في الأحاديث و كثير منها في آثار الصحابة و التابعين.
ثم بعد هذه القرون كان ناس آخرون، ذهبوا يمينا و شمالا، و حدث فيهم أمور منها: الجدل و الخلاف في علم الفقه و تفصيله، على ما ذكره الغزالي [١].
و لما انقرض عهد الخلفاء الراشدين أفضت الخلافة إلى قوم تولوها بغير استحقاق، و لا استقلال بعلم الفتاوى و الأحكام، فاضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء، و إلى استصحابهم في جميع أحوالهم، و كان بقي من العلماء من الطراز الأول، فكانوا إذا طلبوا هربوا و أعرضوا، فرأى أهل تلك الأعصار- غير العلماء- إقبال الأئمة عليهم مع إعراضهم، فاشتروا طلب العلم توصلا إلى نيل العز، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، و بعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال عليهم، إلا من وفقه اللّه، و قد كان من قبلهم قد صنف ناس في علم الكلام، و أكثروا القال و القيل و الإيراد و الجواب و تمهيد طرق الجدال، وقع ذلك منهم بموقع من قبل أن كان الصدور و الملوك من مالت نفسه إلى المناظرة في الفقه من مذهب الشافعي و أبي حنيفة، فترك الناس الكلام و فنون العلم، و أقبلوا على المسائل الخلافية بين الشافعي و أبي حنيفة على الخصوص، و تساهلوا في الخلاف مع مالك و سفيان و أحمد بن حنبل و غيرهم و زعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع و تقرير علل المذهب، و تمهيد أصول الفتاوى، و أكثروا فيها التصانيف و هم مستمرون عليه إلى الآن. و لسنا ندري ما الذي قدره اللّه تعالى فيما بعده من الأعصار؟ اه-.
[١] هو محمد بن محمد الغزالي نسبة إلى غزالة قرية من قرى طوس، الملقب حجة الإسلام صاحب كتاب إحياء العلوم الذي نال شهرة عظيمة إلا أنه أورد فيه خمسمائة حديث مرسل ليس لها طريق و لم يروها أحد و لم يخرجها الحفاظ و له مؤلفات كثيرة و منزلته العلمية أشهر من أن تذكر ولد في سنة ٤٥٠ ه- و توفي سنة ٥٠٥ ه- و دفن بالطابران في طوس و كان في عداد الشافعية إلا أنه مجتهد.