الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٢١ - مع الخلفاء و الولاة
و لم نعرف عن نشأته الأولى شيئا، حتى نتكلم عن حياته في العهد الأموي، لأن مالكا لم يكن من المبرزين في ذلك العصر، فيسجل التاريخ قضاياه في العهد الأموي، و لم يكن لبيته نشاط سياسي و لا علمي حتى يكون معرضا لأخطار الدولة، و إنما يأتي الحديث عنه في العهد العباسي الذي يبتدئ من سنة ١٣٣ ه-، و هو تاريخ سقوط الدولة الأموية و انهيارها، كما أن عهد أبي العباس السفاح خال عن ذكره، و إنما يبتدئ حديثه من آخر خلافة المنصور.
و لم يكن لمالك بن أنس شهرة إلا بعد اشتداد الخلاف بين أهل الرأي، و أهل الحديث، و بعد وقوعه في المحنة. و الشيء المهم الذي يجب أن يلحظ هو تطور حياة مالك و انتقاله من دور الغضب عليه- من قبل الدولة- إلى دور الرضا عنه، و من عهد المحنة و الشدة إلى عهد التبجيل و الرفاهة. و قد اختلفت الأقوال في سبب محنته و ضربه بالسياط.
فمن قائل: إن مالكا كان يجاهر بمخالفة ابن عباس في جواز نكاح المتعة، و يقول: إنه حرام. و يروون أنه حمل إلى بغداد و سئل عن نكاح المتعة، فقال: هو حرام، فقيل له في قول ابن عباس فيها، فقال: كلام غيره فيها أوفق لكتاب اللّه، و أصر على القول بتحريمها، فطيف به على ثور مشوها، فكان يرفع القذر عن وجهه، و يقول: يا أهل بغداد! أنا مالك بن أنس فعل بي ما ترون لأقول بجواز المتعة [١].
و هذا بعيد عن الواقع، لأن ضرب مالك بالسياط أو محنته- كما يقولون- كانت في المدينة لا في بغداد، و لئن كان سبب محنته قوله بجواز المتعة الأمر الذي أوجب الغضب عليه من الدولة، فهل أصرّ مالك على رأيه فيما بعد؟ و وافقته الدولة، و عرفت خطأها، فقربته؟ أم أنه وافق رأيها و تنازل عن إصراره و ترك ما وافق كتاب اللّه لما وافق آراءهم؟ فهذا أمر يبعث على الاستغراب و لعلهم أرادوا اتساع دائرة ذكره بتعدد صورها.
و منها- ما يذكره بعضهم: أن السبب هو عدم رضا بعض الطالبيين عنه، لتفضيله عثمان على علي (عليه السلام). و هذا بعيد كالأول و إن كان يذهب مالك لذلك.
[١] الشذرات ج ١ ص ٢٩٠.