الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٦٣ - رسالة مالك
كقوله في الصفحة الرابعة: و صلّ من النهار اثني عشر ركعة و اقرأ فيهن ما أحببت إن شئت صلهن جميعا و إن شئت متفرقات، و قوله: وصم ثلاثة أيام من كل شهر، و يتعرض للغسل في الحمام و سائر المستحبات، و قوله في الصفحة السابعة: أقلل طلب الحوائج من الناس فإن في ذلك غضاضة، و بلغني عن النبي أنه قال لرجل: لا تسأل الناس. و مثل هذا كيف يخاطب به الملوك؟ و يقول: لتكن يدك العليا على كل من خالطت، فإنه بلغني عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال: اليد العليا خير من اليد السفلى. ثم يتعرض إلى سنن الأكل و الشرب و استحباب الجلوس في المسجد، إلى غير ذلك من الأمور التي تدل بكل وضوح على أن الرسالة منتحلة و لا أصل لها، و يقرأها الوعاظ و المرشدون.
و مهما يكن من أمر فإن عصر مالك اشتد فيه الوضع المؤلم و الجور على الرعية و لم يرد عن مالك- مع عظمته و نفوذ سلطته- ما يدل على إنكاره لتلك الأوضاع.
و كان العباسيون يعتمدون على ما يفتي به مالك، حتى حملوا الناس على الأخذ بأقواله و مناديهم ينادي: ألّا يفتي إلا مالك.
و لما قدم إبراهيم بن سعد الزهري العراق سنة ١٨٤ ه- فأكرمه الرشيد و أظهر بره. و قال له الرشيد: من كان من فقهائكم يكره السماع؟ قال: من ربطه اللّه. قال:
فهل بلغك عن مالك بن أنس في هذا شيء؟ قال: لا و اللّه إلا أن أبي أخبرني أنهم اجتمعوا في مدعاة كانت في بني يربوع، و هم يومئذ جلة و مالك أقلهم في فقهه و قدره، و معهم دفوف و معازف و عيدان يغنون و يلعبون، و مع مالك دف مربع و هو يغنيهم:
سليما أجمعت بينا* * * فأين لقاؤها أينا
و قد قالت لأتراب* * * لها زهر تلاقينا
تعالين فقد طاب ل* * * * * * نا العيش تعالينا
[١] و كان المنصور يعظمه و يوجه الأنظار إليه، و يعلن بأن مالكا هو أعلم الناس، كما أن مالكا يعلن بأن المنصور أعلم الناس بالكتاب و السنة.
[١] تاريخ بغداد ج ٦ ص ٨٤.