الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٠٢ - تظاهر المنصور بالعدل
و لما حج المنصور في السنة التي مات فيها فبينما هو يطوف بالبيت إذ سمع قائلا يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي و الفساد في الأرض و ما يحول بين الحق و أهله من الطمع.
فخرج المنصور إلى ناحية من المسجد و دعا بالقائل فسأله عن قوله؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن أمنتني أنبأتك بالأمور على جليتها، فقال: أنت آمن على نفسك و مالك.
فقال: إن الذي دخله الطمع حتى حال بين الحق و أهله هو أنت.
فقال: ويحك فكيف يدخلني الطمع و الصفراء و البيضاء عندي؟! فقال: يا أمير المؤمنين لأن اللّه استرعاك للمسلمين و أموالهم، فجعلت بينك و بينهم حجابا من الجص و الآجر، و أبوابا من الحديد، و حجابا معهم من الأسلحة، و أمرتهم أن لا يدخل عليك إلا فلان و فلان، و لم تأمر بإيصال المظلوم، و لا الملهوف، و لا الضعيف، و لا الفقير، و لا الجائع، و لا العاري، و ما منهم إلا و له في هذا المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك و آثرتهم على رعيتك تجبي الأموال فلا تعطيها، و تجمعها فلا تقسمها، قالوا: هذا قد خان اللّه تعالى فما لنا لا نخونه و قد سخر لنا نفسه، فاتفقوا على أن لا يصل إليك من أخبار الناس إلا ما أرادوا، و لا يخرج لك عامل إلا أقصوه و نفوه، حتى تسقط منزلته، فلما اشتهر هذا عنك و عنهم عظمهم الناس و هابوهم، فكان أول من صانعهم عمالك في الهدايا، ليقووا بهم على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو القدرة و الثروة، لينالوا بهم ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد اللّه بالطمع ظلما و فسادا، و صار هؤلاء شركاؤك في سلطانك و أنت غافل، فإن جاء متظلم حيل بينه و بين الدخول عليك، فإن أراد رفع قصته إليك و جدك قد منعت من ذلك و جعلت رجلا للمظالم، فلا يزال المظلوم يختلف إليه و هو يدافعه خوفا من بطانتك، و إذا صرخ بين يديك ضرب ليكون نكالا لغيره، و أنت تنظر و لا تفكر فما بقاء الإسلام على هذا [١].
و قال له عمه عبد الصمد بن علي: لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو؟!! فقال: لأن بني مروان لم تبل رممهم و آل أبي طالب لم تغمد سيوفهم،
[١] تاريخ ابن الساعي ص ١٩.