الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢٣٦ - المذهب الجعفري و الدولة العباسية
للنقمة، و بذلك ضاعت أكثر الحقائق، و أثرت تلك السيطرة على سير المسلمين و تقدمهم لعدم الحرية في الرأي و العقيدة، و لو لا ذلك لما حدثت تلك الحوادث التي أخرت المسلمين.
لقد كان أولئك الحكام يعمدون دائما إلى خلق مشكلات يفرقون بها كلمة الأمة، و يثيرون الشحناء و يشغلون الأفكار، لاستخدام الأكثر لمصالحهم الذاتية، و قد أجهدوا أنفسهم في ربط العقائد في دستورهم الذي يتمشى مع رغباتهم، و إن أهم مشكلة في تاريخ الإسلام هي مشكلة الخلافة أو الاعتقاد بالإمامة بأنه منصب إلهي كالنبوة. فكما أن اللّه سبحانه يختار من يشاء من عباده للنبوة و الرسالة و يؤيده بالمعجزة التي هي كنص من اللّه عليه فكذلك يختار للإمامة من يشاء و يأمر نبيه بالنص عليه، فالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مبلغ عن اللّه و الإمام مبلغ عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
و الشيعة تعتقد أن تلك المنزلة لم تحصل إلا لعلي و ولده و الإمامة متسلسلة في اثني عشر إماما كما نص النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على ذلك. و لا ترى تلك الخلافة الإلهية لغير علي و بنيه (عليهم السلام)، و لا يسعنا التعرض لبحث الإمامة و لكنا نريد الإشارة بهذه العجالة إلى الأدوار التاريخية التي سار فيها شيعة آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في المحافظة على وصايا النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من التمسك بالكتاب و العترة.
و قد قام أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في نشر تلك الدعوة في الصدر الأول و تحملوا ما تحملوا في سبيل ذلك، و مر ذكر الدور الأموي و ما لقي فيه آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و شيعتهم من الاضطهاد و المحنة فلا نتعرض للبيان بأكثر من ذلك.
و كان من نتائج تلك الحركة الفكرية الواسعة النطاق و النهضة العلمية التي ازدهرت في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) هو انتشار مذهب أهل البيت في الأقطار الإسلامية.
و كانت الدولة العباسية في طفولتها تعارض حركة انتشار المذهب من وراء الستار، إذ ليس في إمكانها التظاهر في المعارضة، لأنهم في حاجة ملحة لاستمالة أعيان أهل البيت و الاستعانة بزعماء الشيعة لتثبيت أركان الدولة.
و لم يكن هناك شهرة لأحد سوى الإمام الصادق (عليه السلام) و التاريخ يدلنا بوضوح على ذلك.