الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٦٤٩
و هل من شك في معارضة الشيعة و عدم مؤازرتهم الدولة، و إنهم لا يعترفون بشرعتيها في تلك العصور، لأنهم لا يتنازلون عن الاعتقاد بأحقية أهل البيت للخلافة، لما طبعوا عليه من صفاء النفس و التضحية في سبيل المصلحة العامة، و هم أولى الناس بالأمر و أعدلهم بالحكم. لذلك نرى أن تشريع نظام الحكم على من اتهم بسب الصحابة يهدف إلى عقاب الشيعة فقط. أما غيرهم فلا يشمله هذا الحكم و لو كان ملحدا كما مر بيانه.
و قد تسرع المخدوعون بالظواهر إلى الاعتراف به، و قاموا بتنفيذه، فحكموا على الشيعة بالفسق مرة و بالكفر أخرى، و ليتهم حددوا لذلك حدا حتى يعرف الناس كيفية المؤاخذة، و لكنهم وسعوا الدائرة و اختلفت الصور، كما أنهم قرروا عدم قبول توبة المتهم بسب الصحابة أو الشيخين بصورة خاصة، و قرروا انطباق الآراء الفردية على مجموع الأمة. من دون تثبت في الحكم و تورع في الموضوع.
و لهذا فإن المرتزقة- من العلماء الذين أصبحوا مصدرا للفتوى و حكاما في السلطة التشريعية- قد أخذوا على عاتقهم مسئولية إغواء العامة و حملهم على خلاف الحق، فكانوا دعاة فرقة و أئمة ضلال فحكموا على الشيعة بالأخص- من دون بيان لمستند الحكم و دليل للفتوى- بأن قتالهم (أي الشيعة) جهاد أكبر، و من قتل في حربهم فهو شهيد. و يقول في خاتمة الفتوى: و من شك في كفرهم- أي الشيعة- كان كافرا. و آخر يقول كما في الخلاصة: الرافضي إذا كان يسب الشيخين و يلعنهما، فهو كافر، و إن كان يفضل عليا عليهما، فهو مبتدع [١].
و هكذا زينوا للناس حب الوقيعة بعضهم ببعض، و أباحوا قتل المسلم بيد أخيه المسلم بدون تثبت في الحكم و وقوف أمام حرمة ذلك، و ليس غرضهم إلا إرضاء السلطة و إن غضب اللّه عليهم.
و لا حاجة بنا إلى نقل عبارات تعبر عن عقلية قائليها و مقدار إدراكهم للواقع فلا نطيل الوقوف على تلك الخرافات و الأباطيل، فلنسدل الستار عنها و لا بد لنا أن نلحظ نقطتين:
الأولى: هل الطعن على مجموع الصحابة موجب لهذه الأحكام القاسية، أم أن
[١] رسائل ابن عابدين ج ٢ ص ١٦٩.