الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٣٢ - علماء الحنفية و نشر المذهب
بإذن صاحب المذهب. إذ لا شك أنه لو علم بضعف دليله لرجع عنه و اتبع الدليل الأقوى» [١].
و هذا قول لا محل له، فلو كان الأمر كذلك فإن كل فتوى تصدر عن صحة الحديث من أي عالم كان و من أي مذهب هو. يلزم نسبتها إلى مذهب أبي حنيفة.
و لعلهم يرون ذلك فجعلوه أعلم الأمة على الإطلاق، بل أفضل التابعين و أعلمهم من هذا الباب، و الغرض أن الوصول إلى معرفة قول أبي حنيفة و مذهبه الخاص متعسر جدا. و الذي بين أيدينا إنما هو مجموع الأقوال منه و من أصحابه و تلامذتهم الذين أخذوا عنهم، فلا يمكن استخلاص أقواله منفردة لتكون منها وحدة فكرية خالصة له من كل الوجوه من غير اقتران أقوال أصحابه بأقواله؛ فإن محمد بن الحسن جمع أقوال فقهاء العراق و لم يجمع أقوال أبي حنيفة وحده، و لم يفصل آراءه عن آراء غيره من أصحابه و معاصريه، بل ألقى بالفروع و الحلول ما بين متفق عليه و مختلف فيه، فجاءت الأجيال و توارثت تلك المجموعة الفقهية التي تجمع أقوال فقهاء العراق في الجملة، و أقوال أبي حنيفة و أصحابه و تلاميذه خاصة. و قد نهج منها ذلك المنهج غير محمد ممن روى فقه أبي حنيفة و هكذا نجد الرواية لآراء أبي حنيفة تذكر مخلوطة بالرواية عن غيره و ممزوجة بها. و على ذلك النهج تدارس من العلماء تلك الآراء و سموها المذهب الحنفي، و اختاروا للنسبة اسم كبير أولئك الأئمة و شيخهم- و هو أبو حنيفة- و من التهجم على الحقائق سلبهم شخصيتهم لتفنى في شخصية الإمام [٢].
و الخلاصة أن المذهب الحنفي اتسع بجهود أصحابه و نشرهم له إذ وسعوا دائرته بالبحث و التأليف، و أن علم أبي حنيفة لا يكاد يعرف لعدم انفراده عن أصحابه، فالموازنة بينه و بين غيره لا تحصل إلا إذا اتجهنا إلى الموازنة بين علماء المذاهب و بين مجموع مؤسسي المذهب الحنفي، الذين كونوا مجموعة فقهية مزيجة بأقوال فقهاء العراق و أقوالهم، و هذا أمر لا يمكن، و محاولة الحنفية بإرجاع الجميع إليه أمر غير وجيه، و سيتضح الأمر عند البحث عن آراء أبي حنيفة و أقواله، و ما ذهب إليه أصحابه في خلافه.
[١] أبو حنيفة لمحمد أبو زهرة ص ٤٤١- ٤٥١.
[٢] أبو حنيفة لمحمد أبو زهرة ص ٤٣٥.