الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٢١٦ - بين السنة و الشيعة
أمامه ينادي هكذا تكون جنائز أهل السنة، و لما وضع على المغتسل دخل الرجال عليه يقبلونه و ينوحون عليه، ثم أذن للنساء ففعلن مثل ذلك [١] و أقيمت عليه المآتم و دامت النياحة و رثاه خلق كثير منهم شمس الدين الذهبي و غيره [٢].
و يموت أحمد بن السلطان ملك شاه سنة ٤٨١ ه- فيمكث الناس ينوحون عليه سبعة أيام و لم يركب أحد فرسا و النساء ينحن عليه في الأسواق، و سوّد أهل البلاد أبو ابهم.
و يموت شيخ الحرمين فتطوف تلامذته في الشوارع ينوحون عليه نوح النساء و كسروا المحابر و أقاموا النياحة عليه سنة كاملة [٣].
و أبو عمر الحنبلي المتوفى سنة ٦٠٧ ه- يعظم عليه البكاء و العويل و يتناوحون عليه رجالا و نساء، و غسل في المسجد، و نشف ماء غسله بخمر النساء، و عمائم الرجال- للتبرك طبعا- و يتسابقون إلى تمزيق كفنه يتبركون به، و كادت تبدو عورته، لو لا محافظة الدولة على كرامته. فدفعت الناس عنه بالسيف. قال ابن العماد: و لو لا الدولة لما وصل من كفنه إلى قبره شيء [٤].
و تخرج النساء يوم وفاة المسترشد العباسي سنة ٥٢٩ ه- ينحن عليه و يلطمن و هن منشرات الشعور ينشدن المراثي في الطرقات، أما الرجال فشاركوهن بالنياحة و زادوا بأن شقوا الثياب عليه [٥].
و غير هؤلاء ممن يطول بنا الحديث عنهم و ما حدث من مظاهر الحزن و الأسى يوم وفاتهم و بعده. و العزاء أو البكاء من الحالات الإنسانية التي تظهر العطف و تبين ما في دواخل المرء من مشاعر و هي تتناسب عكسيا مع القسوة و الغلظة، و إنما تناولنا مظاهرها في خلال الفترة التاريخية التي أصبح فيها القضاء و الفتوى تبعا لأهواء الحكّام الذين يسمحون بذلك لأن المتوفين لا يمثلون في شخصياتهم رموزا تهدد أركان
[١] تاريخ ابن كثير ج ١٤ ص ١٣٨.
[٢] العقود الدرية في مناقب ابن تيمية ص ٣٩٩.
[٣] طبقات الشافعية ج ٣ ص ٢٥٩.
[٤] شذرات الذهب ج ٣ ص ٣٠.
[٥] تاريخ دول الإسلام للذهبي ج ١ ص ١٨٢.