الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٥٦١ - الخراج في عهد مالك
و من أظرف ما جرى في عهد الوزير ابن الفرات قصة ملخصها: أنه أراد إجراء الحساب مع محمد بن جعفر بن الحجاج سنة ٢٩٦ ه- فطلب رجلا لا يؤمن باللّه و اليوم الآخر، فانتدب له رجل يكنى بأبي منصور فأحضر ابن الحجاج بين يديه و شتمه أبو منصور و افترى عليه، ثم أمر بتجريده و إيقاع المكروه به. و ابن الحجاج يقول:
يكفي اللّه، ثم أمر أبو منصور بنصب دقل و جعل في رأسه بكرة فيها حبل، و أمر برفع ابن الحجاج إلى أعلى الدقل و هو يستغيب و يقول: يكفي اللّه، فما زال معلقا و أبو منصور يقول: المال المال. و هو غضبان حتى اختلط من شدة الغضب، و قال لمن يمسك الحبال: أرسلوا ابن الفاعلة و هو يرى أنهم يتوقفون، و هو يحاول بذلك تهديده فأرسلوا ابن الحجاج و كان بدينا فسقط على عنق أبي المنصور، فدقها و خرّ على وجهه و سقط ابن الحجاج مغشيا عليه، فحمل أبو منصور إلى منزله في محمل فمات في الطريق، ورد ابن الحجاج إلى محبسه و قد تخلص من التلف [١].
و كان أحد عمالهم يشتد في المطالبة بالأموال، فكان يضع على بطون الناس أطسات الجمر، و منهم من يستعمل الدبابيس يضربون بها رءوس أهل الخراج، إلى غير ذلك من أعمال القسوة و الشدة مما لم يكن أكثره في العهد الأموي.
هذه نظرة موجزة لسياسة العباسيين و سيرتهم التي ساروا فيها بالرعية، و هي امتداد لسيرة الأمويين بل فيها ما هو أشد من ذلك.
و الغرض أن الأمة لم تحقق أمانيها في ظل الدولة العباسية، و قد أنكر الناس سوء المعاملة، و كانت ظلمة السجن قد حجبت شعاع الحرية، و لغة السيف أخرست المتظلم، و قد وقف أهل البيت و أتباعهم موقف الحزم و البطولة، و لم يتنازلوا عن المعارضة و شدة الإنكار، فكانت معاملة بني العباس لهم و لأنصارهم بقسوة و سياستهم متجردة عن معاني الرحمة، و راقبوهم أشد المراقبة و ضيقوا عليهم سعة الدنيا ليحملوهم على التنازل عن مبادئهم.
فكان نصيب بني العباس و أعوانهم التمتع بمسرات الحياة و لذائذ الدنيا و جمع الأموال و نشر السلطان، و إزهاق النفوس و حصد الرقاب.
[١] الحضارة الإسلامية ص ٣٢٦.