الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٥٠ - ولاة المدينة في العهد العباسي
من التضحيات التي لا يتورع بنو أمية في مقابلتها عن سفك الدماء، و كفى أمة محمد ما أريق من دماء، و كفى أهل البيت و شيعتهم ما أزهق من أرواح.
و كان يعلم عواقب تلك الخلافات، و يتحسس حاجة المجتمع الإسلامي إلى التوجيه الصحيح، و الدعوة إلى الالتزام بمبادئ الإسلام و تعاليمه، ليحقق بذلك التكافل الاجتماعي، و التآزر العام، فقد بذر الحكام بين الصفوف بذور الفرقة و جعلوا جسم المجتمع مغرسا للأهواء و الأباطيل، و للسلطة مفعولها في شد النفوس إليها، و إحاطة أهل البيت بستار من الريبة و الخوف ليمنعوهم من التأثير في الأمة.
فقام (عليه السلام) بمهمة التوجيه، ليخلق الوعي بين الصفوف، و ليحقق التكاتف و التآخي، و ليقضي على بقايا رواسب جاهلية عملت على إحيائها طغمة حاكمة، لتحقق لنفسها مغانم تسند بها سلطانها الجائر، و حكمها الظالم، و قد شهد طغيان المؤثرات القبلية و السياسية و غيرها.
إن الدعوة التي قام بها الإمام الصادق (عليه السلام) إنما هي ثورة إصلاحية و حملة توجيه عامة، ليوجد من تلك الجموع الثائرة أمة ذات وعي تحسب للظروف حسابها، و تنظر الوقت المناسب لقيام الثورة المتكفلة لتحقيق غايتها و تحقيق هدفها في إعادة الخلافة الإسلامية و تطبيق نظام الإسلام الذي يكفل للبشر سعادتهم.
و الإمام الصادق (عليه السلام) وسط ذلك المعترك هو الموجه القائد الذي اجتمعت في شخصيته جميع مؤهلات القيادة العامة، و قد واجه تلك الحوادث بحزم و ثبات.
و قد رد (عليه السلام) طلب من ألح عليه في تزعم الحركة الثورية التي نشبت في أيامه بين أنصار العلويين و بين الأمويين، و كانت الدعوة باسم أهل البيت (عليهم السلام) و هو زعيمهم و سيدهم في عصره.
و لكنه كان يرى أن إصلاح الوضع بالتوجيه الصحيح و تفهيم الناس ضرورة الوقوف تجاه الخصوم موقف تحسس بما تؤول إليه الحالة من التسرع في إثارة الحرب، و أن ذلك لا يجدي نفعا لوجود ذوي الأطماع الذين لا يقل ضررهم على الأمة الإسلامية من ضرر الأمويين، و بهذا يكون حل المشكلة بمشكلة أعظم منها.
و اتخاذ مثل هذا الموقف الذي اتخذه الإمام لنفسه و من ورائه ذوو البصيرة من أعيان الأمة ليدلّ على عمق التفكير و حصافة الرأي من ناحية عملية، و من الناحية