الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٥١ - ولاة المدينة في العهد العباسي
العقيدية، فهو صاحب ولاية و عهد تضمنتهما الإمامة التي آلت إليه بعد وفاة أبيه الإمام الباقر (عليه السلام) و هي في سياق الدعوة متصلة بمصادر الرسالة متعلقة بمصير الدين. فإن الأمة شهدت على يد الملوك الذين تلبّسوا بالدين انحرافا في مسيرة السياسة و ارتدادا في الغايات و الأهداف، و لا يحظى تطبيق نظام الإسلام في ظل خلافة الملوك بمعشار ما تحظى به مصالح الحكام و مآربهم الشخصية و هم لا يتورعون بحال عن استثارة ما منع من الإسلام أو إحياء ما عمل على هدمه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).
و قد أصبح لسلاطين الزمان قوة و صولة حتى انعدمت حالات التكافؤ، و مع ما هم عليه من الشوكة و النفوذ لم يتمكنوا من إخماد صوت الحق أو منع المؤمنين من العمل بالعقيدة الحقة، و قد تصدّى أهل البيت للحفاظ على روح التحدي في نفوس المؤمنين بشجاعة و بطولة إذ نذروا أنفسهم لدعوة الحق و قيادة تيار الالتزام و الاتجاه الديني.
فعمل الإمام الصادق بعد وفاة أبيه على جمع شيعته و مريديه على قواعد المنهج و السلوك المعروفين منذ عهد جده الإمام زين العابدين (عليه السلام).
لقد وقف الإمام الصادق (عليه السلام) موقف المصلح الذي يحاول أن يعيد للأمة مجدها في تعميق مبادئ الإسلام الصحيحة، و نشر الوعي الإسلامي بما يجب على كل مسلم أن يقوم به في إصلاح الوضع، في عصر انتشر به الفساد و مني المجتمع فيه بضروب المحن و الابتلاء، و هو (عليه السلام) بدون شك يحمل من الأذي أضعاف ما تتحمله أفراد الأمة، لأنه المصلح الذي يريد للمجتمع السعادة المفقودة في عهد ولاة لا تحترم حقوق الأمة المشروعة، و تتحدى نظامها المقدس، إذ استبدوا بالأمر و ظلموا الأمة، و استأثروا بالمغانم، و خالفوا الكتاب و السنّة في سبيل غاياتهم، و خلقوا مشكلات الخلاف و التعصب ليفرقوا الكلمة، و يشتتوا الشمل و يشغلوا الأفكار، مما أثر على سير المسلمين و تقدمهم من الجهة الروحية التي هي قوام دينهم، و ذلك خلاف ما قرره الإسلام، لأنه يدعو إلى كلمة التوحيد و توحيد الكلمة.
و الإمام يرى أن واجبه يحتم عليه نشر دعوة الإصلاح، و توجيه المجتمع و بث تعاليم الدين، و أن يعلن غضبه على ذلك النظام الجائر بصفته إمام زمانه، و لكنه ما ذا يصنع و هو الرجل المغلوب على أمره، و المغصوب منه حقه، و مع ذلك فإنه لم يأل جهدا في معارضتهم، و نهى الناس عن مخالطتهم و التولي لأعمالهم، و قد أوجب على