شرح تشريح القانون - ابن نفيس - الصفحة ٣٥٨ - البحث الأول فى أجزاء العين
مما لا يحتاج فيه إلى أن يكون لحامل [١] ذلك للانفعال مساحة يعتد بها فلذلك يكفى فى نفوذ الروح الحاملة لذلك الانفعال التام الذى لا بد منها فى الأعصاب بخلاف هذا الروح فإن النافذ من العينين إلى الدماغ إنما هو اشباح المرئيات و تلك الأشباح يحتاج حاملها لا محالة أن تكون له مساحة يعتد بها، فلذلك لا يمكن نفوذه فى مسام الأعصاب بدون فساد تلك الأشباح فلذلك يحتاج هذا العصب النورى أن يكون ذا تجويف ظاهر ينفذ فيه الروح [٢] البصرى.
و من تجويفى كل واحد من فرديه يحدث تجويف واحد فى وسط مسافة نفوذهما إلى العينين و فى ذلك التجويف مكان القوة الباصرة، و لو كانت هذه القوة فى عين واحدة لكان وجود الأخرى عبثا/ و لو كان فى كل قوة عين قوة [٣] باصرة لكان الشىء الواحد يرى بكل واحدة فى العينين/ فكان الواحد يرى اثنين.
و لقائل أن يقول: لو كان الأمر كذلك لكان الشىء يسمع اثنين. لأن كل واحدة من الأذنين فيها قوة سامعة فإن قوة السمع لو كانت واحدة و موضوعة فى إحدى الأذنين لكانت خلقة الاذن الأخرى عبثا. و لو كانت هذه القوة فى داخل تجويف [٤] الدماغ لكان الصوت يتخيل و لا يسمع كما قلتم فى الإبصار.
و جوابه: إن الأمر فى السمع ليس كما فى الإبصار و ذلك أن ادراك السمع هو من جنس أدراك اللمس. و كما أن قوة اللمس متكثرة لأن هذه القوة فى جميع الجلد، و فى أكثر اللحم، و فى الأغشية و غير ذلك.
و معلوم أن هذه الأشياء ليست القوة التى فيها قوة واحدة، بل كثيرة جدا فلذلك قوة السمع لا تمتنع عليها أن يكون متكثرة بخلاف قوة البصر. و إنما قلنا إن قوة السمع من جنس قوة اللمس لأن إدراك قوة السمع إنما هو التموج الحاصل فى الهواء الراكد فى داخل الأذن النافع لتموج الهواء الحامل للصوت، و ادراك هذا التموج هو بانفعال الحاسة عنه، كما تنفعل حاسة اللمس عن الملموسات الحارة و الباردة و الخشنة و نحو ذلك و تحقيق الكلام فى هذا و بسطه الأولى به فى غير هذا الكتاب.
و هذا العصب النورى هو لا محالة كباقى الأعصاب مغشّى بغشائين:
أحدهما من الأم الجافية، و هو الأعلى منهما.
و الآخر من الأم الرقيقة، فيكون لا محالة كثير العروق كما فى تلك الأم فإذا بلغ هذا العصب مع الغشاءين المغشيين له إلى عظم الحجاج، و هذا العظم الذى فيه نقرة العين انبسط طرف كل واحد من ذلك و انفرش بقدر سعة تلك النقرة ثم أنضم طرفه و صار من مجموع ذلك العضو الذى يسمى المقلة.
[١] د: تفاعل
[٢] م: ساقطة
[٣] ن: ساقطة
[٤] م: خاص