شرح تشريح القانون - ابن نفيس - الصفحة ٥٣ - البحث الأول فى بيان منافع تكثر عظام القحف أعنى عظام الرأس كلها
الصلابة. و سنذكر منافع ذلك كله، و إذا كان كذلك لم يحسن، و لا يجوز [١] أن يكون الجميع عظما واحدا، و ذلك لأمرين:
أحدهما: أنه لو كان عظما واحدا لكان الجزء اللين منه مهيئا لقبول الآفات و ذلك لأن اللين بنفسه سهل القبول، فإذا عرضت له آفة، و كان العظم واحدا تهيأ الباقى للانفعال.
و ثانيهما: أنه لو كان اتحاد العظم حينئذ [٢] محمودا لم يخلق لعظام الزندين و الساقين و نحوهما لواحق. بل كان يخلق كل واحد من تلك العظام قطعة واحدة لأن هذه العظام تحتاج أن تكون قوية فلو جاز أن يكون عظما واحدا لما كثرت أجزاؤها، لأن ذلك مما يضعف له جرمها، و حيث لم يخلق قطعة واحدة [٣] علم أن ذلك مع اختلاف الأجزاء فى الصلابة و اللين مما لا يجوز.
و إذا كان كذلك وجب تكثير عظام الرأس بعدد ما يجب أن يكون فيها من الاختلاف المذكور.
و لقائل أن يقول: إن كلا هذين الأمرين مما لا يصح.
أما الأول: فلا بد [٤] و أن يكون/ (من هذا العظم متخلخلا، فلا بد و ان يكون)/ إما بحذاء الحس كعظم الجبهة، أو مستورا باللباس عادة كعظمى اليافوخ و ذلك مما يقلل قبوله للآفات، فلا يكون ما يعرض له منها أكثر من العارضة للذى يجب أن يكون من هذا العظم صلبا.
و ليس لكم أن تقولوا: إن الصلب تعرض له الآفة حينئذ تارة بنفسه، و تارة لسريان ما يعرض للتخلخل [٥]، و ذلك موجب لتكثير آفاته [٦] لأنا نقول: إن هذا إذا سلم كان هو بعينه المنفعة الأولى.
و أما الثانى: فمن وجوه:
أحدها: أن الفاضل أرسطو طاليس [٧] حكى أن رجلا لم يكن لرأسه شؤون بل كان من عظم واحد. فلو كان فى ذلك مفسدة لما وجد.
و ثانيها: أن كل واحد من عظمى اليافوخ و الجدارين اللذين يمنة و يسرة. فإن أجزاءه يجب أن تكون مختلفة فى الصلابة و اللين.
و أما عظما اليافوخ فإن مقدمهما شديد اللين، فلذلك ينغمز فى سن الطفولة [٨] بأدنى مس، و أما
[١] أ: يجود.
[٢] ح أ ن: ساقطة.
[٣] م: ساقطة.
[٤] ب ح: فلأن. د: فلأجل ما يجب.
[٥] م: للتخلخل.
[٦] ن م: الآفة.
[٧] ن م: ارسطا طاليس.
[٨] أ ح: الطولية.