شرح تشريح القانون - ابن نفيس - الصفحة ٣٧٨ - البحث الأول فى تشريح قصبة الرئة
فلا بد من أن يكون فى أعلى العنق أحد هذين المجريين يحتاج عند انفتاحه إلى تضيق الآخر، و ذلك [١] بأن يكون انفتاحه عند انطباق الآخر فإن هذا المكان غير متسع لانفتاحهما معا فى وقت واحد و إذا كان كذلك وجب أن يكون مجرى النسيم من قدام و لكن حاجة هذا المجرى إلى الانفتاح هو فى أوقات متقاربة جدا بخلاف مجرى الغذاء فإنه إنما احتاج إلى الانفتاح عند ازدراد الطعام، و ذلك إنما يكون فى اوقات متباعدة فلذلك كانت حاجة مجرى النسيم إلى الانفتاح أكثر كثيرا من حاجة مجرى الغذاء، فلذلك يجب أن يكون مجرى النسيم من قدام، لأن المجرى المقدم أسهل انفتاحا من المؤخر لأن المقدم لا عائق له عن الانفتاح إلا من ورائه فقط إذ لا مزاحم له فى باقى الجهات، و لا كذلك المجرى المؤخر فإنه يكون نحيف [٢] بالأعضاء و هى لا محالة مزاحمة معاوقة عن الانفتاح فلذلك يكون انفتاح المجرى الداخل أعسر، فلذلك وجب أن يكون مجرى النسيم يحتاج [٣] من قدام لأنه أشد حاجة إلى كثرة الانفتاح و إنما يسهل ذلك إذا كان موضوعا من قدام.
و رابعها: أن مجرى النسيم يحتاج أن يكون صلبا ليمكن حدوث الصوت بانقراعه بالهواء الخارج منه بقوة، و لا كذلك مجرى الغذاء فإن اللين أوفق له ليمكن أن يتشكل تجويفه المزدرد، و إذا كان كذلك وجب أن يكون مجرى النسيم من قدام لأنه لأجل صلابته يقل انفعاله عن المصادمات و نحوها.
و خامسها: أن مجرى النسيم يحتاج أن يكون فى اعلى الحنجرة و هى تحتاج أن يكون تجويفها متسعا لما نقوله بعد. و أعلى العنق ضيق فواجب أن يكون مجرى النسيم من قدام ليتمكن اعلى العنق أن يتمدد إلى قدام، و يبرز عن مسامتة باقى أجزاء العنق و لا يمكن ذلك إذا كان هذا المجرى من خلف لأن مجرى الغذاء كان يعاوق عن هذا البروز قوله: دوائر و أجزاء دوائر.
أما اسافل القصبة فإنها دوائر تامة ليكون ما يحتوى عليه من التجويف أوسع و أما اجزاء الدوائر فإنها إنما تكون فى أعالى هذه القصبة/ و ذلك لأن هذه القصبة هناك تلاقى المرىء و يضيق المكان عن تجويفى هذه القصبة/ مع تجويف المرىء فلذلك يحتاج أن يجعل التجويفان فى تجويف واحد، فيكون عند ازدراد اللقمة و احتاج المرىء إلى الاتساع لها يستعين المرىء بتجويف هذه القصبة فيتمدد جرم المرىء من قدام حتى يلاقى داخل محيط هذه القصبة من قدام.
و إذا دخل النسيم المستنشق فى تجويف هذه القصبة و احتيج إلى اتساعها له تمدد جرمها من خلف و دخل فى بعض تجويف المرىء، و إنما يمكن ذلك إذا كان ما بين تجويف المرىء و تجويف هذه القصبة جرما شديدا لقبول التمدد، و إنما يكون ذلك إذا كان غشاء فلذلك لا يمكن أن يكون غضروفيا فإن الغضاريف لا يسهل قبولها لهذا التمدد. فلذلك مؤخر هذه القصبة هناك لا يكون غضروفيا بل غشائيا.
[١] ب: كذلك
[٢] م ن: باستعانة
[٣] م: مجسما