شرح تشريح القانون - ابن نفيس - الصفحة ٣٤٩ - البحث السادس فى تعديل بطون الدماغ
يكمل فيه استحالته/ بعد توزع ما فى ذلك البطن [١] من الروح على الأعضاء. و حينئذ كان يلزم ذلك خلو الدماغ عن روح نفسانى هذه [٢] استحالة الروح المستعد لتمام الاستحالة، و ذلك لا محالة يلزمه ضرر عظيم، فلذلك لا بد من ان يكون للدماغ ثلاثة بطون، و كل واحد من هذه البطون فانه يجب ان ينقسم إلى جزأين ليقوم كل واحد منهما بفعل ذلك البطن المقدم أظهر لأن هذا البطن لكبره يتسع لفاضل غليظ يفصل بين جزأيه، و لا كذلك غيره. و المشهور هو المذكور فى الكتاب.
ان الروح الحيوانى ينفذ أولا إلى البطن المقدم فينطبخ فيه أى [٣] انه يستحيل فيه إلى مشابهة مزاج الروح النفسانى استحالة ما ثم ينفذ بعد ذلك إلى البطن الأوسط و يزداد فيه هذه الاستحالة ثم ان هذه الاستحالة تكمل فى البطن المؤخر و هذا مما لا يصح، و ذلك لأن الروح الحساس يحتاج ان تكون بغاية الاعتدال ليحس بكل انحراف و يخرج عن الاعتدال، و لا كذلك الروح الذى به الذكر و الفكر فان هذا الروح يحتاج إلى ان يكون إلى الحرارة [٤]، و لذلك فان البرودة شديدة الإضعاف للذكر. و لذلك فان المشايخ يضعف هذه القوة الحافظة و الذاكرة فيهم، و كذلك الفكر يضعف بالبرد، و لذلك فان المشايخ الهرمين يعرض لهم الخرف كثيرا. فلذلك الحق: ان الروح الحيوانى يصل أولا إلى البطن المؤخر فيتعدل فيه قليلا ثم يزداد اعتدالا فى البطن الأوسط، و هو اشد اعتدالا ثم يكمل هذا الاعتدال فى البطن المقدم، فلذلك يكون الروح الذى فى المقدم اشد اعتدالا من الذى فى البطن الأوسط و هو اشد اعتدالا من الذى فى البطن المؤخر، و ما ذلك إلا أن الروح الحيوانى ينفذ أولا إلى البطن المؤخر ثم ينفذ بعد ذلك إلى البطنين الآخرين. و هيئة التشريح تصدق ذلك، و تكذب قولهم، فان نفوذ الشرايين إلى داخل القحف معلوم انه لا يكون من البطن المقدم.
قوله: و الغشاء الرقيق يستبطن بعضه فيغشى بطون الدماغ إلى الفجوة التى عند الطاق.
قد قالوا إن عند منتهى البطن المقدم موضعا عميقا، و من هناك يبتدىء البطن الأوسط، و ذلك الموضع يسمى مجمع البطنين أى إنه هناك يجتمع البطنان اللذان للبطن المقدم، و هما اللذان أحدهما يمنة و الآخر يسرة، و هذا الموضع يسمى فجوة. و أما الطاق فقد يراد به الغشاء الرقيق الغائص [٥] فى جرم الدماغ و هو الذى يقسمه إلى جزأين: أحدهما مقدم و الآخر مؤخر.
و هذا الغشاء عند غوصه فى الدماغ يغوص و هما طاقان: طاق من قدام ذلك الموضع، و طاق من مؤخره. و قد يراد بالطاق سقف البطن الأوسط لأنه كالعقد المستدير، و يغشيه الغشاء الرقيق لباطن الدماغ إنما هو قرب [٦] هذا الموضع، و ذلك لأن ما بعده إلى خلف تغشيه صلابة هذه التغشية كما ذكرناه أولا.
و اللّه ولى التوفيق [٧]
[١] ب: تلك البطون
[٢] م: مدة استحالته للروح
[٣] ب: إلى
[٤] م: حرارة
[٥] ن: ساقطة
[٦] ن: فوق
[٧] ن: و اللّه أعلم بغيبه