شرح تشريح القانون - ابن نفيس - الصفحة ٢٩٣ - الفصل الأول كلام كلّى فى صفة الشّريان
و الحركة المعتدلة مسمنة مغلظة للجرم. و أما فى باقى الأعضاء فإن الشرايين إنما تتحرك بنفسها فقط. فتكون حركتها متوسطة فتحصف [١] و تغلظ. و الأوردة ساكنة دائما. و ذلك مهزل مذبل [٢] للأعضاء. و قد أفسد هذا جالينوس بأمرين:
أحدهما: أنه لو كان كذلك [٣] لكان الاختلاف إنما هو بزيادة الغلظ و قلته لا بعدد الطبقات.
و ثانيهما: أنه لو كان كذلك لكانت هذه العروق قبل عروض هذه الحركة متساوية فى الرئة و غيرها، و ذلك كما فى الأجنة، فإن رئاتهم لم تكن بعد [٤] تحركت، و مع ذلك فإن عروقها تخالف عروق سائر الأعضاء.
و الذى ذهب إليه جالينوس أن سبب ذلك هو أن شرايين الرئة الحاجة إليها جذب الهواء إلى القلب [٥] و دفع فضوله فيحتاج أن تكون سهلة [٦] الإجابة لمتابعة الرئة فى انبساطها و انقباضها، و لا كذلك الأوردة فإن المقصود منها تنفيذ الغذاء. و ذلك ما [٧] يضر فيه الحركة. فلذلك ينبغى أن تكون أبعد عن قبول متابعة الرئة فى الحركة.
و الذى نقوله نحن الآن، و اللّه اعلم، أن القلب لما كان من أفعاله توليد الروح و هى إنما تكون من دم رقيق جدا، شديد المخالطة لجرم الهواء [٨] فلا بد و أن يجعل فى القلب دم رقيق جدا و هواء ليمكن [٩] أن يحدث [١٠] الروح من الجرم المختلط منهما و ذلك حيث تولد الروح، و هو فى التجويف الأيسر من تجويفى القلب.
و لا بد فى قلب الإنسان و نحوه مما له رئة من تجويف آخر يتلطف فيه الدم ليصلح لمخالطة الهواء فإن الهواء لو خلط بالدم و هو على غلظه لم يكن من جملتهما جسم متشابه الأجزاء، و هذا التجويف هو التجويف [١١] الأيمن من تجويفى القلب، و إذا لطف الدم فى هذا التجويف فلا بد من [١٢] نفوذه إلى التجويف الأيسر حيث [١٣] يتولد [١٤] الروح. و لكن ليس بينهما منفذ، فإن جرم القلب هناك مصمّت ليس فيه منفذ ظاهر كما ظنه جماعة، و لا منفذ غير ظاهر يصلح لنفوذ هذا الدم كما ظنه جالينوس، فإن مسام القلب هناك مستحصفة و جرمه غليظ [١٥] فلا بد و أن يكون هذا الدم إذا لطف نفذ فى الوريد الشريانى إلى الرئة لينبث فى جرمها و يخالط الهواء و يتصفى ألطف ما فيه، و ينفذ إلى الشريان الوريدى ليوصله [١٦] إلى التجويف الأيسر من تجويفى القلب، و قد خالط الهواء و صلح لأن تتولد منه الروح
[١] أ ن: فتخصب
[٢] م: ساقطة
[٣] أ: ذلك
[٤] أ م: ساقطة
[٥] أ: إلى داخل
[٦] أ: سهولة
[٧] أ: مما
[٨] أ د: الهوائى
[٩] د: ساقطة
[١٠] أ: يجذب
[١١] د: تجويف
[١٢] د: الأول
[١٣] د: حتى
[١٤] ب م: مولد
[١٥] ب: غليظة
[١٦] أ م: ليوصل