معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٥٥٠ - الفصل و الوصل
مشاركا له في معنى بل هو شيء إن ذكر لم يذكر إلا بأمر ينفرد و يكون ذكر الذي قبله و ترك الذكر سواء في حاله لعدم التعلق بينه و بينه رأسا، و حق هذا ترك العطف البتة.
فترك العطف يكون إمّا للاتصال الى الغاية، أو الانفصال الى الغاية، و العطف لما هو واسطة بين الامرين، و كان له حال بين حالين، فاعرفه» «١»
و على هذا الأساس وضع عبد القاهر أصول بحث الفصل و الوصل و قوانينه و ذكر الأمثلة الكثيرة و حلّلها تحليلا علميّا و أدبيّا. و جاء علماء البلاغة فاختصروا بحوثه و بوبوها و كان تحديدهم أدقّ ضبطا و قواعدهم أكثر تقييدا. و كان السّكّاكي من أشهر الذين اتبعوه و لكنّه لم يوضح الموضوع او يبحثه بحثا مناسبا، و انصرف الى الكلام على الجامع و أنواعه «٢»، و استفاد القزويني و شرّاح التلخيص من عبد القاهر و السّكاكي و جمعوا بين تحديد القاعدة و الشرح و التحليل «٣».
و قد اتّفق البلاغيون على أنّ الفصل يجب في خمسة مواضع:
الأوّل: أن يكون بين الجملتين اتحاد تام و هو «كمال الاتصال» و ذلك أن تكون الجملة الثانية تأكيدا للأولى و المقتضي للتأكيد دفع توهم التجوز و الغلط و هو قسمان:
أحدهما: أن تنزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد المعنوي من متبوعه في إفادة التقرير مع الاختلاف في المعنى كقوله تعالى: الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ «٤» فانّ وزان لا رَيْبَ فِيهِ وزان «نفسه» في مثل: «جاءني محمد نفسه».
و ثانيهما: أن تنزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد اللفظي من متبوعه في اتحاد المعنى كقوله تعالى:
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ «٥»، فان هُدىً لِلْمُتَّقِينَ معناه: أنّه في الهداية بالغ درجة لا يدرك كنهها حتى كأنه هداية محضة.
و من أمثلة كون الجملة الثانية توكيدا للأولى قول المتنبي:
و ما الدّهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا
فالجملة «إذا قلت ...» توكيد للاولى؛ لأنّ معنى الجملتين واحد.
أو أن تكون الجملة الثانية بدلا من الاولى، و هو ضربان:
أحدهما: أن تنزل الثانية من الاولى منزلة بدل البعض «٦» من متبوعه كقوله تعالى: أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَ بَنِينَ. وَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ «٧» فانه مسوق للتنبيه على نعم اللّه تعالى عند المخاطبين، و قوله: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَ بَنِينَ. وَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ أوفى بتأديته مما قبله لدلالته عليها بالتفصيل من غير إحالة على علمهم مع كونهم معاندين، و الأمداد بما ذكر من الأنعام و غيرها بعض الأمداد بما يعلمون و يحتمل الاستئناف.
و ثانيهما: أن تنزل الثانية من الاولى منزلة بدل الاشتمال «٨» من متبوعه كقوله تعالى: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ
(١) دلائل الاعجاز ص ١٨٧.
(٢) مفتاح العلوم ص ١٢٠.
(٣) الايضاح ص ١٤٧، التلخيص ص ١٧٥، شروح التلخيص ج ٣ ص ٢، المطول ص ٢٤٧، الاطول ج ٢ ص ٢، التبيان في البيان ص ١٠١.
(٤) البقرة ١- ٢.
(٥) البقرة ٢.
(٦) بدل البعض: هو بدل الجزء من كله قليلا كان ذلك الجزء او مساويا للنصف أو اكثر منه. مثل:
«جاء للطلاب ربعهم أو نصفهم أو ثلثاهم».
(٧) الشعراء ١٣٢- ١٣٤.
(٨) بدل الاشتمال: هو بدل الشيء مما يشتمل عليه على شرط ان لا يكون جزء منه مثل: «نفعني المعلم علمه» و «أحببت خالدا شجاعته».