معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٤١ - الاحتراس
المقصود بما يدفعه» [١].
فالاحتراس عند هؤلاء هو التكميل، و لكنّ ابن مالك أفرد التكميل بفن آخر و عرّفه بقوله: «التكميل أن تأتي في شيء من الفنون بكلام فتراه ناقصا لكونه مدخولا بعيب من جهة دلالة مفهومه فتكمله بجملة ترفع عنه النقص. مثل أن تجيد مدح رب السيف بالكرم دون الشجاعة أو رب القلم بالبلاغة دون سداد الرأي و نفاذ العزم فتراه ناقصا فتذكر معه كلاما يكمل المدح و يرفع ايهام الذم» [٢]. و فرّق المصري بين الاحتراس و التكميل و التتميم فقال: «إن المعنى قبل التكميل صحيح تام ثم يأتي التكميل بزيادة يكمل بها حسنه إما بفن زائد أو بمعنى. و التتميم يأتي ليتمم نقص المعنى و نقص الوزن معا، و الاحتراس لاحتمال دخل على المعنى و إن كان تاما كاملا و وزن الكلام صحيحا.
و قد جعل ابن رشيق الاحتراس نوعا من التتميم و سوّى بينهما، و قد ظهر الفرق بينهما فجعلهما في باب واحد غير سائغ» [٣]. و فرّق بينه و بين المواربة فقال: «و الفرق بينه و بين المواربة- بالراء المهملة- أيضا، أنّ الاحتراس يؤتى به وقت العمل عند ما يتفطن المتكلم لموضع الدّخل، و المواربة يؤتى بها وقت العمل و بعد صيرورة الكلام.
و المواربة- بالراء المهملة- تكون بالتصحيف و التحريف و اهتدام الكلمة و الزيادة و النقص، و الاحتراس بزيادة الجمل المفيدة المتضمنة معنى الانفصال عمّا يحتمله الكلام من الدخل، و المواربة تكون في نفس الكلام و تكون منفصلة عنه. و الاحتراس لا يكون إلا في نفس الكلام».
ثم فرّق بينه و بين المناقضة و الانفصال فقال: «إنّ الاحتراس هو ما فطن له الشاعر أو الناثر وقت العمل فاحترس منه. و الانفصال ما لم يفطن له حتى يدخل عليه، فيأتي بجملة من الكلام أو بيت من الشعر ينفصل به عنه ذلك الدخل» [٤].
و الأمثلة التي ذكرها معظم البلاغيين واحدة، و قد اتفقوا على تسمية هذا الفن احتراسا- ما عدا بعضهم- و فرقوا بينه و بين التكميل و التتميم. و من أمثلة هذا الفن في الكتاب العزيز قوله تعالى: وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [٥] فانه- تعالى- لما أخبر بهلاك من هلك بالطوفان أعقبه بالدعاء على الهالكين و وصفهم بالظلم ليعلم أنّ جميعهم كان مستحقا للعذاب احتراسا من ضعيف يتوهم أنّ الهلاك ربما شمل من لا يستحق العذاب، فلما دعا على الهالكين و وصفهم بالظلم علم استحقاقهم لما نزل بهم و حلّ بساحتهم و ظهر من ذلك صدق وعده لنبيه نوح- عليه السّلام- و أعلمنا أنه قد أنجزه وعده الذي قال فيه: وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [٦].
و من ذلك قول الخنساء:
و لو لا كثرة الباكين حولي
على إخوانهم لقتلت نفسي