معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ١٨٥ - الأمر للاباحة
و الأمر من أوائل الأساليب التي بحثها النحاة و البلاغيون، و قد عقد له سيبويه بابا و تحدث عنه ابن قتيبة و ثعلب و أشاروا الى معناه الحقيقي و الى بعض الأغراض التي يخرج اليها [١]. و لعل ابن فارس كان من أوائل الذين عقدوا بابا باسم «باب معاني الكلام» و هي عشرة: خبر و استخبار، و أمر و نهي، و دعاء و طلب، و عرض و تحضيض، و تمن و تعجب [٢]، و هذا هو الباب الذي سماه البلاغيون باب «الخبر و الانشاء». و قد عرّف الأمر بقوله: «الأمر عند العرب ما إذا لم يفعله المأمور سمي المأمور به عاصيا و يكون بلفظ: افعل و ليفعل» [٣]. و تحدث عن المعاني التي يحتملها لفظ الأمر.
و دخل أسلوب الأمر في علم المعاني حينما قسم السكاكي البلاغة الى أقسامها الثلاثة:
المعاني و البيان و البديع. و الأمر عنده هو الباب الثالث من أبواب الطلب، و قال: «و الأمر في لغة العرب عبارة عن استعمالها أعني استعمال نحو «لينزل» و «انزل» و «نزال» و «صه» على سبيل الاستعلاء» [٤]. و تحدث عن الاغراض المجازية للأمر، و تبعه في ذلك البلاغيون و لا سيما القزويني و شرّاح التلخيص [٥].
و المعاني المجازية التي يخرج اليها الأمر كثيرة منها:
الأمر للإباحة:
الأمر للإباحة عن الأغراض الاولى التي فطن لها النحاة، فسيبويه يقول: «تقول «جالس عمرا أو خالدا أو بشرا» كأنك قلت: جالس أحد هؤلاء و لم ترد إنسانا بعينه» [٦].
و ذكره ابن قتيبة و قال: «و على لفظ الأمر و هو إباحة» [٧] قوله تعالى: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً [٨]، و قوله: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [٩].
و نصّ المبرد على معنى الاباحة فقال: «و قد يكون لها موضع آخر معناه الإباحة و ذلك قولك: «جالس الحسن او ابن سيرين» و «ائت المسجد أو السوق» أي قد أذنت لك في مجالسة هذا الضرب من الناس و في إتيان هذا الضرب من المواضع» [١٠]. و ظل مثال «جالس الحسن او ابن سيرين» يدور في كتب البلاغة عند الكلام على خروج الأمر للاباحة.
و من الأمر للاباحة قوله تعالى: وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [١١]. و قول كثيّر:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة
لدينا و لا مقليّة إن تقلّت