معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٧٣ - الاستدراج
حصول الغرض من المخاطب و الملاطفة له في بلوغ المعنى المقصود من حيث لا يشعر به، و في ذلك من الغرائب و الدقائق ما يوثق السامع و يطربه؛ لأنّ مبنى صناعة التأليف عليه و منشأها منه» [١].
و مثال ذلك قوله تعالى: وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا. إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً. يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا. يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ، إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا، يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا [٢]. و قال ابن الأثير معلقا على هذه الآيات: «هذا كلام يهزّ أعطاف السامعين و يبهج نفوس المتأملين، فعليك أيها المترشح لهذه الصناعة بامعان النظر في مطاويه و ترداد الفكر في أثنائه، و اتخاذه قدوة و نهجا تقتفيه، ألا ترى حين أراد ابراهيم أن ينصح أباه و يعظه مما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم الذي عصى به أمر العقل كيف رتب الكلام معه في أحسن اتساق و انتظام مع استعمال المجاملة و اللطف و اللين و الأدب الجميل و الخلق الحسن مستنصحا في ذلك بنصيحة ربه و ذاك أنه طلب منه أولا العلة في خطيئته طلب منبّه على تماديه موقظ له لافراطه في غفلته و تناهيه؛ لأنّ المعبود لو كان حيا متميزا سميعا بصيرا مقتدرا على الثواب و العقاب إلا أنّه بعض الخلق لاستسخف عقل من أهّله للعبادة و وصفه بالربوبية و لو كان أشرف الخلق كالملائكة و النبيين، فكيف لمن جعل المعبود جمادا لا يسمع و لا يبصر؟ ثم ثنّى ذلك بدعوته الى الحق مترفقا به متطلعا فلم يسم أباه بالجهل المطلق و لا نعته بالعلم الفائق و لكنه قال: إنّ معي لطائف من العلم و شيئا منه. و ذلك علم الدلالة على الطريق السويّ، فلا تستنكف وهب أني و إياك في مسير و عندي معرفة بالهداية دونك فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه. ثم ثلّث ذلك بتثبيطه و نهيه عما كان عليه بأنّ الشيطان الذي استعصى على ربك الرحمن الذي جميع ما عندك من النعم من عنده، و هو عدوّك و عدوّ أبيك آدم، هو الذي ورّطك في هذه الورطة و ألقاك في هذه الضلالة. إلا أنّ ابراهيم- عليه السّلام- لامعانه في الاخلاص لم يذكر من جنايتي الشيطان إلّا التي تختص منها باللّه- عزّ و جل- عصيانه و استكباره و لم يلتفت الى ذكر معاداته لآدام- عليه السّلام- و ذريته. ثم ربّع ذلك بتخويفه سوء العاقبة و ما ينتج عليه من الوبال. و لم يخل هذا الكلام من حسن أدب بحيث لم يصرّح بان العقاب لاحق لأبيه و لكن قال: «إني أخاف أن يمسّك عذاب» فذكر الخوف و المسّ إعظاما لهما و نكّر العذاب، و جعل ولاية الشيطان و دخوله في جملة أشياعه أكبر من العذاب و صدّر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله: «يا أبت» توسلا اليه و استعطافا، فقال له في الجواب: قالَ: أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ؟ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنِي مَلِيًّا [٣] ألا ترى كيف أقبل عليه الشيخ بفظاظة الكفر و غلظ العناد فناداه باسمه و لم يقابل قوله: «يا أبت» ب «يا بنيّ»؟
و قدّم الخبر على المبتدأ في قوله: أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ؟ لأنه كان أهم عنده و فيه ضروب من التعجب و الانكار لرغبة ابراهيم عن آلهته و أن آلهته لا ينبغي أن يرغب أحد عنها» [٤].
و عرّفه ابن الأثير الحلبي بقوله: «يقال استدرج فلان فلانا إذا توصل الى حصول مقصوده من غير أن يشعره من أول وهلة. و المراد بذلك الملاطفة في الخطاب و لزوم الأدب في الكلام مع المخاطب بحيث لا تنفر نفسه قبل حصول المقصود منه» [٥]. و هذا قريب من قول ابن الاثير السابق، و نقل أحد أمثلته و علّق عليه بما
[١] الجامع الكبير ص ٢٣٥.
[٢] مريم ٤١ حتى ٤٥.
[٣] مريم ٤٦.
[٤] الجامع الكبير ص ٢٣٥، المثل السائر ج ٢ ص ٦٩.
[٥] جوهر الكنز ص ١٥٦.