معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٥٣٩ - الغلو
المعاني «١» و ذكر أمثلة كثيرة مما وقع فيه الشعراء، و تحدّث القاضي الجرجاني عن أغاليط الشعراء و ذكر بيت زهير و غيره «٢». و عقد ابن رشيق بابا في أغاليط الشعراء و الرواة «٣» و ذكر مآخذ الأصمعي على زهير و الشماخ و مآخذ الآمدي على البحتري و غير ذلك.
الغلوّ:
غلا في الدين و الأمر يغلو غلوّا، جاوز حدّه و أفرط، و في الحديث: «ايّاك و الغلوّ في الدين» أي التّشدّد فيه و مجاوزة الحد. و الغلو: الإعداء، و غلا بالسهم يغلو غلوا و غلوّا و غالى به غلاء رفع يده يريد به أقصى الغاية و هو التّجاوز. و غلا السّهم نفسه: ارتفع في ذهابه و جاوز المدى. و الغلوة قدر رمية بسهم و قد تستعمل الغلوة في سباق الخيل، و الغلوة: الغاية مقدار رمية «٤» قال ابن رشيق: «و اشتقاق الغلوّ من المغالاة، و من غلوة السهم و هي مدى رميته. يقال:
«غاليت فلانا مغالاة و غلاء» إذا اختبرتما أيكما أبعد غلوة سهم، و منه قول النبي- عليه الصلاة و السّلام-:
«جري المذكيات غلاء» «٥» و قد جاء في حديث داحس «غلاء» و «غلاب» بالباء أيضا. و اذا قلت:
«غلا السعر غلاء» فإنّما تريد أنّه ارتفع و زاد على ما كان، و كذلك غلت القدر غليا أو غليانا، إنّما هو أن يجيش ماؤها و يرتفع» «٦».
و الغلوّ أحد انواع المبالغة و قد سمّاه ابن طباطبا «التشبيهات البعيدة التي لم يلطف أصحابها فيها و لم يخرج كلامهم في العبارة عنها سلسا عذبا» «٧» كقول خفاف بن ندبة:
أبقى لها التعداء من عتداتها و متونها كخيوطة الكتّان «٨»
و كان قدامة من أوائل الذين أشاروا الى هذا الفن و مصطلحه و قال: «إنّ الغلوّ عندي أجود المذهبين و هو ما ذهب اليه أهل الفهم بالشعر و الشعراء قديما، و قد بلغني عن بعضهم أنّه قال: «أحسن الشعر أكذبه» و كذا يرى فلاسفة اليونانيين في الشعر على مذهب لغتهم» «٩».
و قال العسكري: «الغلوّ تجاوز حدّ المعنى و الارتفاع فيه الى غاية لا يكاد يبلغها» «١٠».
كقوله تعالى: وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ «١١» و قوله: وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ «١٢»، و قول الجعدي:
بلغنا السّماء مجدنا و سناؤنا و إنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا
و قول البحتري:
فلو أنّ مشتاقا تكلّف غير ما في وسعه لسعى إليك المنبر
وعدّ الباقلّاني من البديع «الغلوّ و الإفراط» «١٣»، و تحدّث ابن رشيق في المبالغة عن هذا النوع، و قال:
«فأما الغلوّ الذي ينكره من ينكر المبالغة من سائر أنواعها و يقع فيه الاختلاف لا ما سواه، و لو بطلت المبالغة كلها و عيبت لبطل التشبيه و عيبت الاستعارة الى كثير من محاسن الكلام» «١٤». و عقد للمبالغة بابا
(١) كتاب الصناعتين ص ٦٩ و ما بعدها.
(٢) الوساطة ص ١٠ و ما بعدها.
(٣) العمدة ج ٢ ص ٢٤٥ و ما بعدها.
(٤) اللسان (غلا).
(٥) المذكية من الخيل: التي قد اتى عليها بعد قروحها سنة او سنتان.
(٦) العمدة ج ٢ ص ٦٥.
(٧) عيار الشعر ص ٨٩.
(٨) العتدات: القوائم. متونها: ضلوعها.
(٩) نقد الشعر ص ٦٥، و ينظر شرح ديوان الحماسة ج ١ ص ١١.
(١٠) كتاب الصناعتين ص ٣٥٧.
(١١) الأحزاب ١٠.
(١٢) الأعراف ٤٠.
(١٣) إعجاز القرآن ص ١١٧.
(١٤) العمدة ج ٢ ص ٥٥.