معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٥٤٠ - الغلو
و قال: «و من أسمائه أيضا الإغراق و الإفراط و من الناس من يرى أنّ فضيلة الشاعر إنّما هي في معرفته بوجوه الإغراق و الغلوّ و لا أرى ذلك إلّا محالا لمخالفته الحقيقة و خروجه عن الواجب و المتعارف» «١»، ثم قال: «و أصحّ الكلام عندي ما قام عليه الدليل و ثبت فيه الشاهد من كتاب اللّه تعالى و نحن نجده قد قرن الغلو فيه بالخروج عن الحق فقال جلّ من قائل: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ «٢».
و منهم من يرى «٣» أنّ أحسن الغلوّ ما نطق فيه ب «كاد» و «كأنّ» و «لو لا» كقول زهير:
لو كان يقعد فوق الشمس من شرّف قوم بأحسابهم أو مجدهم قعدوا
و قول أبي صخر الهذلي:
تكاد يدي تندى اذا ما لمستها و ينبت في أطرافها الورق الخضر
و قوله تعالى: يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ «٤» و قوله: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها «٥»، و قوله:
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ «٦».
و فرّق المصري بين الغلوّ و الإغراق لأنّ منهم «من يجعله هو و الإغراق شيئا واحدا» «٧» و قال: «و قد رأيت من لا يفرّق بين الغلوّ و الإغراق و يجعل التسميتين لباب واحد و هي عندي أنّ معنى البابين مختلف كاختلاف اسميهما إلا أنّ الإغراق أصله في النزع و أصل في النزع و أصل الغلوّ بعد الرمية و ذلك أنّ الرامي ينصب غرضا يقصد إصابته فيجعل بينه و بينه مدى يمكن معه تحقيق ذلك الغرض فاذا لم يقصد غرضا معيّنا و رمى السهم إلى غاية ما ينتهي اليه بحيث لا يجد مانعا يمنعه من استيفاء السهم قوته في البعد سميت هذه الرمية غلّوة فالغلو مشتق منها. و لما كان الخروج عن الحق الى الباطل يشبه خروج هذه الرمية عن حدّ الغرض المعتاد الى غير حدّ سمّي غلوّا. قال اللّه سبحانه و تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ «٨» و هو لا يعدّ من المحاسن إلا اذا اقترن به ما يقرّ به من الحق ك «قد» للإحتمال و «لو» و «لو لا» للامتناع و «كاد» للمقاربة و اداة التشبيه و آلة التشكيك و أشباه ذلك من القرائن اللفظية» «٩»
و فرّق ابن الأثير الحلبي بين الإغراق و الغلو و المبالغة فقال: الإغراق و الغلوّ و المبالغة هي ثلاث تسميات متقاربة وردت في باب واحد لقرب بعضها من بعض و سنذكر التمييز بين كل نوع منها. فاما الإغراق فهو الزيادة في المبالغة حتى يخرجها عن حدّها ... و أما الغلوّ فهو الزيادة في الخروج عن الحدّ ... و أما المبالغة فهي مشتقّة من «بلغ المنزل واديا»: جاءه. وحدّها بلوغ القصد من غير تجاوز الحدّ» «١٠».
و الغلوّ عند ابن مالك ضربان «١١». مقبول و مردود، فالمقبول أن لا يتضمّن دعوى كون الوصف على مقدار غير ممكن الوصف بما هو خارج عن طباق الموصوف. و هو قسمان:
أولاهما بالقبول ما اقترن به ما يقربه من الحق كقول الشاعر يصف فرسا:
و يكاد يخرج سرعة عن ظلّه لو كان يرغب في فراق رفيق
و القسم الآخر ما كان غير مقترن، كقول الشاعر:
(١) العمدة ج ٢ ص ٦٠.
(٢) المائدة ٧٧.
(٣) الوافي ص ٢٦٨، قانون البلاغة ص ٤٤٢، الرسالة العسجدية ص ١٥٤.
(٤) البقرة ٢٠.
(٥) النور ٤٠.
(٦) النور ٣٥.
(٧) حسن التوسل ص ٢٧٦، نهاية الارب ج ٧ ص ١٤٩، الروض المريع ص ١٠٣.
(٨) المائدة ٧٧.
(٩) تحرير التحبير ص ٣٢٣.
(١٠) جوهر الكنز ص ١٣٥.
(١١) المصباح ص ١٠٣.