معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٦٤٦ - المماثلة
الرماح بن ميادة:
ألم تك في يمنى يديك جعلتني فلا تجعلنّي بعدها في شمالكا
و لو أنّني أذنبت ما كنت هالكا على خصلة من صالحات خصالكا
و سمّاها أبو أحمد العسكري «المماثلة»، قال عبد القاهر و هو يتحدّث عن قولهم: «إنّك تقدّم رجلا و تؤخّر أخرى»: «و ذكر أبو أحمد العسكري أنّ هذا النحو من الكلام يسمّى المماثلة، و هذه التسمية توهم أنّه شيء غير المراد بالمثل و التمثيل و ليس الأمر كذلك» «١».
و أخذ أبو هلال العسكري من خاله هذه التسمية و قال: «المماثلة أن يريد المتكلّم العبارة عن معنى فيأتي بلفظة تكون موضوعة لمعنى آخر إلا أنّه ينبىء إذا أورده عن المعنى المراد» «٢»، و ذكر بيتي ابن ميادة: «ألم تك ...»، و قوله- صلّى اللّه عليه و سلّم-: «إياكم و خضراء الدمن» و قولهم: «فلان نقيّ الثوب» و يتضح أنّ المماثلة عنده المثل أو ما يقرب من الكناية، و قد قال الباقلاني إنّها «ضرب من الاستعارة سمّاه قدامة التمثيل و هو على العكس من الإرداف مبني على الاسهاب و البسط و هو مبني على الايجاز و الجمع، و ذلك أن يقصد الإشارة الى معنى فيضع ألفاظا تدل عليه، و ذلك المعنى بألفاظه مثال للمعنى الذي قصد الإشارة اليه» «٣»، و مثل له بقولهم: «أراك تقدّم رجلا و تؤخّر أخرى» و قوله تعالى: وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ «٤»، و قول الحارثي:
بني عمّنا لا تذكروا الشعر بعد ما دفنتم بصحراء الغمير القوافيا
و الآية الكريمة و البيت من شواهد الكناية لا الاستعارة.
و تابع التبريزي الباقلّاني و قال: «المماثلة ضرب من الاستعارة» «٥» و نقل البغدادي تعريفه «٦».
و أدخلها ابن رشيق في التجنيس و قال: «التّجنيس ضروب كثيرة منها المماثلة و هي أن تكون اللفظة واحدة باختلاف المعنى» «٧». و هذا ما ذكره الآمدي و ابن سنان «٨». و فسّرها المصري تفسيرا آخر فقال: «هو أن تتماثل ألفاظ الكلام أو بعضها في الزنة دون التقفية» «٩» كقوله تعالى: وَ ما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ. النَّجْمُ الثَّاقِبُ. إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ «١٠». فالطارق و الثاقب و حافظ متماثلات في الزنة دون التقفية.
و قد تأتي بعض ألفاظ المماثلة مقفاة من غير تصد؛ لأنّ التقفية في هذا الباب غير لازمة كقول امرىء القيس:
فتور القيام قطوع الكلام تفترّ عن ذي غروب خصر
كأنّ المدام و صوب الغمام و ريح الخزامى و نشر القطر
يعلّ بها برد أنيابها إذا غرّد الطائر المستحر «١١»
و تابعه ابن مالك فقال: «المماثلة أن يتعدّد أو يوجد في البيت أو نحوه مماثلة في الوزن و التقفية أو في الوزن فقط بين كلمتين متلاقيتين أو متوازيتين» «١٢»، و مثل له بقوله تعالى: وَ رَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ
(١) أسرار البلاغة ص ١٠٠.
(٢) كتاب الصناعتين ص ٣٥٣.
(٣) اعجاز القرآن ص ١١٩.
(٤) المدثر ٤.
(٥) الوافي ص ٢٧٤.
(٦) قانون البلاغة ص ٤٤٥.
(٧) العمدة ج ١ ص ٣٢١.
(٨) الموازنة ج ١ ص ٢٧٥، سر الفصاحة ص ٢٢٨.
(٩) تحرير التحبير ص ٢٩٧، بديع القرآن ص ١٠٧.
(١٠) الطارق ٢- ٤.
(١١) تفتر: تبتسم. الغروب: حدة الاسنان. خصر:
بارد. القطر: العود الذي يتبخر به. المستحر:
المصوت بالسحر.
(١٢) المصباح ٨٠.