معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٥٤ - الارداف
الإرداف:
الإرداف من أردف، يقال: أردفه، أي ركب خلفه، أي حمله خلفه على ظهر الدابة، فهو رديف و ردف [١].
و الإرداف مما فرّعه قدامة من ائتلاف اللفظ مع المعنى و سماه هذه التسمية، و قال عنه: «هو أن يريد الشاعر دلالة على معنى من المعاني فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى بل بلفظ يدل على معنى هو ردفه و تابع له، فاذا دلّ على التابع أبان عن المتبوع» [٢].
و كان المتقدمون كابن قتيبة و ابن المعتز. قد بحثوا ذلك في باب الكناية و التعريض [٣] و لكن البلاغيين ساروا على مذهب قدامة فعرّفه العسكري بقوله:
«الارداف و التوابع: أن يريد المتكلم الدلالة على معنى فيترك اللفظ الدال عليه الخاص به، و يأتي بلفظ هو ردفه و تابع له، فيجعله عبارة عن المعنى الذي أراده» [٤]. و سمّاه ابن رشيق التتبيع و قال: «و من أنواع الاشارة: التتبع و قوم يسمونه التجاوز، و هو أن يريد الشاعر ذكر الشيء فيتجاوزه و يذكر ما يتبعه في الصفة و ينوب عنه في الدلالة عليه» [٥].
و سماه ابن سنان الإرداف و التتبيع و قال: «و من نعوت البلاغة و الفصاحة أن تراد الدلالة على المعنى فلا يستعمل اللفظ الخاص الموضوع له في اللغة بل يؤتى بلفظ يتبع ذلك المعنى ضرورة فيكون في ذكر التابع دلالة على المتبوع. و هذا يسمى الإرداف و التتبيع؛ لأنّه يؤتى فيه بلفظ هو ردف اللفظ المخصوص لذلك المعنى و تابعه» [٦].
و سمّاه التبريزي الإرداف و قال: «هو أن يريد الشاعر دلالة على معنى فلا يأتي باللفظ الدال عليه بل بلفظ هو تابع له» [٧]. و نقل البغدادي هذا التعريف كما نقل تعريف قدامة [٨].
و عدّه ابن الأثير القسم الثاني من الكناية و ذكر أنّ هذه تسمية قدامة ثم قال: «هو أن تراد الاشارة الى معنى فيترك اللفظ الدال عليه و يؤتى بما هو دليل عليه و مرادف له» [٩]. و فرّعه الى خمسة فروع:
الأول: فعل المبادهة كقوله تعالى: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ [١٠]. فان المراد بقوله تعالى لَمَّا جاءَهُ أي أنّه سفيه الرأي، يعني أنّه لم يتوقف في تكذيب وقت ما سمعه و لم يفعل كما يفعل المراجيح العقول المتثبتون في الأشياء، فانّ من شأنهم إذا ورد عليهم أمر أو سمعوا خبرا أن يستعملوا فيه الروية و الفكر، و يتأنوا في تدبره الى أن يصح لهم صدقه أو كذبه، فقوله لَمَّا جاءَهُ يعني أنّه ضعيف العقل عازب الرأي، و قد عدل عن هذه العبارة الصريحة بقوله لَمَّا جاءَهُ و ذلك آكد و أبلغ في هذا الباب.
الثاني: باب «مثل» كقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح: «مثلي لا يفعل هذا». أي: أنا لا أفعله فنفى ذلك عن مثله و هو يريد نفيه عن نفسه قصدا للمبالغة فسلك به طريق الكناية لأنّه إذ نفاه عمن يماثله أو يشابهه فقد نفاه عنه لا محالة.
الثالث: هو ما يأتي في جواب الشرط كقوله تعالى:
وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ [١١]، كأنه قال:
«إن كنتم منكرين يوم البعث فهذا يوم البعث» فكنّى بقوله: فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ عن بطلان قولهم و كذبهم فيما ادّعوه و ذلك رادف له.
الرابع: الاستثناء من غير موجب كقوله تعالى:
[١] اللسان (ردف)، أنوار الربيع ج ٦ ص ٥٠.
[٢] نقد الشعر ص ١٧٨، جواهر الألفاظ ص ٧.
[٣] تأويل مشكل القرآن ص ١٩٩، البديع ص ٦٤.
[٤] كتاب الصناعتين ص ٣٥٠.
[٥] العمدة ج ١ ص ٣١٣.
[٦] سر الفصاحة ص ٢٧٠.
[٧] الوافي ص ٢٦٥.
[٨] قانون البلاغة ص ٤١٨، ٤٣٩.
[٩] الجامع الكبير ص ١٦٠.
[١٠] العنكبوت ٦٨.
[١١] الروم ٥٦.