معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٤٣٢ - التوجيه
الطلاب أنّ «التوجيه» مصدر وجهه الى كذا توجيها، كما يقال: وجهت وجهي للّه سبحانه. و قد يقال:
وجهت اليك بمعنى توجهت لازما، و اما توجّه فمصدره التوجّه، و هذا أمر قياسي و لا يحتاج فيه الى سماع» [١].
و التوجيه: إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين بأن يكون أحدهما مدحا و الآخر ذما، و قد التفت الفراء الى هذا الاسلوب- و إن لم يسمّه- عند تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَ قُولُوا انْظُرْنا [٢] فيفهم منها الذم الذي أراده اليهود و المدح الذي قصده المسلمون حين رغبوا في أن يرعاهم الرسول- صلّى اللّه عليه و سلّم- [٣].
و أدخل السكاكي هذا النوع في المحسنات المعنوية و قال: «هو إيراد الكلام محتملا لوجهين مختلفين كقول من قال للأعور: «ليت عينيه سواء».
و للمتشابهات من القرآن مدخل في هذا النوع للأعور:
«ليت عينيه سواء». و للمتشابهات من القرآن مدخل في هذا النوع باعتبار» [٤]. و عرّفه القزويني بمثل ذلك [٥] و أضاف الى كلام السكاكي تفسير قوله تعالى:
وَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ راعِنا [٦] نقلا عن الزمخشري الذي سماه «ذا الوجهين» [٧] لأنّه يحتمل الذي أي: اسمع منا مدعوا عليك بلا سمعت، و المدح أي: اسمع غير مسمع مكروها. و نقله الوطواط من الزمخشري و سماه «المحتمل للضدين» و قال فيه:
«و يسمونه أيضا بذي الوجهين و يكون بأن يقول الشاعر بيتا من الشعر يحتمل معنيين أحدهما للمدح و الآخر للهجاء» [٨].
و سار على خطا القزويني شراح التلخيص [٩]، غير أنّ السبكي قال: «كذا أطلقه المصنف و يجب تقييده بالاحتمالين المتساويين، فانه إن كان أحدهما ظاهرا و الثاني خفيا و المراد هو الخفي كان تورية» [١٠].
و سمّى المصري التورية توجيها [١١]، و ليس الأمر كذلك لأنّ التورية فيها معنيان: قريب و بعيد، و الثاني هو المقصود، و أما التوجيه فلا يرجح فيه أحد الوجهين، و هما كما قال ابن الاثير الحلبي: «حدّ التورية أن تكون الكلمة تحتمل معنيين فيستعمل المتكلم أحد احتماليهما و يهمل الآخر و مراده ما أهمله لا ما استعمله. و حدّ التوجيه أنّه اللفظ المحتمل وجهين يحمل المتكلم مراده على أيهما شاء» [١٢].
و لكنّ المصري عقد بابا للتوجيه و سماه «الإبهام» و قال: «هو أن يقول المتكلّم كلاما يحتمل معنيين متضادين لا يتميز أحدهما على الآخر و لا يأتي في كلامه بما يحصل به التمييز فيما بعد ذلك بل يقصد به إبهام الأمر فيهما قصدا» [١٣]. و هذا هو التوجيه عند السكاكي و القزويني و شرّاح التلخيص. و قد فضّل الحموي تسمية المصري فقال: «فتسمية النوع هنا بالابهام أليق من تسميته بالتوجيه و مطابقة التسمية فيه لا تخفى على أهل الذوق الصحيح، و هذا مذهب ابن أبي الاصبع فإنّه هو الذي تخيّر الابهام» [١٤]، و ذلك لأنّ التوجيه عند المتأخرين:
[١] أنوار الربيع ج ٣ ص ١٤٣.
[٢] البقرة ١٠٤.
[٣] معاني القرآن ج ١ ص ٦٩.
[٤] مفتاح العلوم ص ٢٠٢.
[٥] الايضاح ص ٣٧٧، التلخيص ٣٨٤.
[٦] النساء ٤٦.
[٧] الكشاف ج ٢ ص ٤٠٠.
[٨] حدائق السحر ص ١٣٢.
[٩] شروح التلخيص ج ٤ ص ٤٠٠ المطول ص ٤٤٣، الاطول ج ٢ ص ٢١٩.
[١٠] عروس الافراح ج ٤ ص ٤٠١.
[١١] تحرير التحيير ص ٢٦٨، بديع القرآن ص ١٠٢.
[١٢] جوهر الكنز ص ١١١.
[١٣] تحرير ص ٥٩٦، بديع القرآن ص ٣٠٦.
[١٤] خزانة الادب ص ١٣٦، و ينظر شرح عقود الجمان ص ١٢٧، أنوار الربيع ج ٢ ص ٥، ج ٣ ص ١٤٣، حلية اللب ص ١٤٧، نفحات-