معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ١٧٧ - الالتفات
صار الى مشافهة الممدوح و التصريح باسمه خاطب عند ذلك نفسه مبشرا لها بالبعد عن المكروه و القرب من المحبوب، ثم جاء بالبيت الذي يليه معدولا به عن خطاب نفسه الى خطاب غيره و هو أيضا خطاب لحاضر فقال: «هنالك تلقى الجود». و الفائدة بذلك أنّه يخبر غيره بما شاهده كأنه يصف له جود الممدوح و ما لاقاه منه إشارة بذكره و تنويها باسمه و حملا لغيره على قصده و في صفته جود الممدوح بتلك الصفة الغريبة البليغة و هي قوله: «حيث قطّعت تمائمه» ما يقتضي له الرجوع الى خطاب الحاضر، و المراد بذلك أنّ محل الممدوح هو مألف الجود و منشؤه و وطنه. و قد يراد به معنى آخر، و هو أنّ هذا الجود قد أمن عليه الآفات العارضة لغيره من المنّ و المطل و الاعتذار و غير ذلك إذ التمائم لا تقطع إلا عمن أمنت عليه المخاوف» [١].
و من الرجوع من الخطاب الى الغيبة قوله تعالى:
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَ جاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [٢].
و الثاني: الرجوع عن الفعل المستقبل الى فعل الأمر و عن الفعل الماضي الى فعل الأمر فالأول كقوله تعالى:
يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَ ما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ، وَ ما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ، قالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَ اشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [٣].
و من الرجوع عن الفعل الماضي الى فعل الأمر قوله تعالى: قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [٤].
الثالث: الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل و عن المستقبل بالماضي، فالأول كقوله تعالى:
وَ اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ [٥].
و على هذا ورد قول تأبط شرا:
بأنّي قد لقيت الغول تهوي
بسهب كالصحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرّت
صريعا لليدين و للجران [٦]