معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ١٧٦ - الالتفات
الى ماض» [١]. و سماه «شجاعة العربية» و هو عنده ثلاثة أقسام:
الاول: الرجوع من الغيبة الى الخطاب و من الخطاب الى الغيبة، و قد ردّ في هذا البحث ما ذهب اليه الزمخشري من أنّ في الانتقال تطرية لنشاط السامع و ايقاظا للاصغاء اليه و قال: «و الذي عندي في ذلك أنّ الانتقال من الخطاب الى الغيبة أو من الغيبة الى الخطاب لا يكون إلا لفائدة اقتضته و تلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب الى أسلوب غير أنّها لا تحدّ بحدّ و لا تضبط بضابط و لكن يشار الى مواضع منها ليقاس عليها غيرها» [٢]. و كان الزمخشري قد أشار الى مثل ذلك بعبارة موجزة فقال: «و قد تختص مواقعه بفوائد» [٣]، أي أنّه رأى أنّ الانتقال من أسلوب الى أسلوب ليس للتطرية و الايقاظ و التنبيه وحدها.
و من أمثلة الرجوع من الغيبة الى الخطاب قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [٤] فقد رجع من الغيبة في أول الكلام الى الخطاب في إِيَّاكَ نَعْبُدُ.
و من الرجوع من خطاب الغيبة الى خطاب النفس قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ: ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [٥]، فانه قال: وَ زَيَّنَّا بعد قوله: ثُمَّ اسْتَوى و قوله: فَقَضاهُنَ و وَ أَوْحى.
و من الرجوع من خطاب النفس الى خطاب الجماعة قوله تعالى: وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [٦].
و من الرجوع من خطاب النفس الى خطاب الواحد قوله تعالى: حم. وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [٧].
و من ذلك قول أبي تمام:
و ركب يساقون الركاب زجاجة
من السّير لم تقصد لها كفّ قاطب
فقد أكلوا منها الغوارب بالسّرى
و صارت لها أشباحهم كالغوارب
يصرّف مسراها جذيل مشارق
إذا آبه همّ عذيق مغارب
يرى بالكعاب الرود طلعة ثائر
و بالعرمس الوجناء غرّة آيب
كأنّ بها ضغنا على كلّ جانب
من الارض أو شوقا الى كلّ جانب
إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد
تقطّع ما بيني و بين النوائب
هنالك تلقى الجود من حيث قطّعت
تمائمه و المجد مرخي الذوائب [٨]