معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٥١٥ - شجاعة العربية
حذف الجواب الذي هو «كذبتم في زعمكم» و أقام قوله «لهم إلف و ليس لكم إلاف» مقامه لدلالته عليه.
و يجوز أن يقدر قوله: «لهم إلف و ليس لكم إلاف» جوابا لسؤال اقتضاه الجواب المحذوف، كأنه لما قال المتكلم: «كذبتم» قالوا: «لم كذبنا؟» فقال: «لهم إلف و ليس لكم إلاف» فيكون في البيت استئنافان.
و قد يحذف و لا يقام شيء مقامه كقوله تعالى:
نِعْمَ الْعَبْدُ* «١» أي: أيوب أو هو، لدلالة ما قبل الآية و ما بعدها عليه. و نحوه قوله تعالى: فَنِعْمَ الْماهِدُونَ «٢» أي: نحن «٣».
شبه كمال الانقطاع:
و هو أن تكون الجملة الثانية في الفصل بمنزلة المنقطعة عن الاولى؛ لأنّ عطفها عليها موهم لعطفها على غيرها و يسمّى الفصل لذلك قطعا، و مثاله قول الشاعر:
و تظنّ سلمى أنني أبغي بها بدلا أراها في الضّلال تهيم
لم يعطف «أراها» على «تظن» لئلا يتوهم السامع أنّه معطوف على «أبغي» لقربه منه مع أنّه ليس بمراد، و يحتمل الاستئناف.
و قسّم السكاكي القطع الى قسمين «٤»:
الأول: القطع للاحتياط و هو ما لم يكن لمانع من العطف كما في البيت: «و تظن سلمى ...».
الثاني: القطع للوجوب، و هو ما كان لمانع كقوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ «٥» لأنّه لو عطف لعطف إما على جملة «قالُوا» و إما على جملة «إِنَّا مَعَكُمْ» و كلاهما لا يصحّ. و كذا قوله تعالى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ «٦».
و للقزويني في ذلك نظر لجواز أن يكون المقطوع في المواضع الثلاثة معطوفا على الجملة المصدّرة بالظرف، و هذا القسم لم يبين امتناعه «٧».
شجاعة العربيّة:
شجع شجاعة: اشتد عند البأس، و الشجاعة شدة القلب في البأس «٨».
شجاعة العربية هو الالتفات و قد تقدّم، و كان ابن جني «٩» قد سماه كذلك و تبعه ابن الأثير و ابن الأثير الحلبي «١٠»، غير أنّهما عدّا الالتفات أحد أنواعه، و من ذلك أيضا عكس الظاهر، و تأنيث المذكّر، و تذكير المؤنّث، و تصوّر معنى الواحد للجماعة، و معنى الجماعة للواحد، و تقدّم المفعول على الفعل، و تقديم الظروف على المظروف، و تقديم الخبر على المبتدأ، و نوع الاستفهام، و تقديم الظلمات على النور، و التقديم بالذات، و تقديم السببية، و تقديم الرتبة، و تقديم الشرف، و تقديم الأكثر على الأقل. و لكنّ هذه الموضوعات- ما عدا- الالتفات أدخلها البلاغيون في أبواب أخرى تتصل بها كالتقديم و التأخير و التغليب و الاستفهام.
و قد ذكر ابن الأثير أنّ هذا الفن سمي «شجاعة العربية» لأنّ «الشجاعة هي الإقدام و ذاك أنّ الرّجل
(١) سورة ص ٣٠، ٤٤.
(٢) الذاريات ٤٨.
(٣) دلائل الاعجاز ص ١٨١، الايضاح ص ١٥٥، التلخيص ص ١٨٦، شروح التلخيص ج ٣ ص ٥٢، المطول ص ٢٥٨، الأطول ج ٢ ص ١٤.
(٤) مفتاح العلوم ص ١٢١.
(٥) البقرة ١٥.
(٦) البقرة ١٢.
(٧) الايضاح ص ١٥٥، التلخيص ص ١٨٥، و ينظر دلائل الاعجاز ص ١٧٨، شروح التلخيص ج ٣ ص ٥٠، المطول ص ٢٥٧، الاطول ج ٢ ص ١٣.
(٨) اللسان (شجع).
(٩) الخصائص ج ٢ ص ٣٦٠.
(١٠) المثل السائر ج ٢ ص ٤، الجامع الكبير ص ٩٨، جوهر الكنز ص ١١٨.