معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٣١٢ - التسجيع
و عزّى سلمة و أشباههم. و كانوا يتكهنون و يحكمون بالأسجاع» [١] و علل ذلك النهي بقوله: «فوقع النهي في ذلك الدهر لقرب عهدهم بالجاهلية و لبقيتها في صدور كثير منهم، فلما زالت العلة زال التحريم. و قد كانت الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين فيكون في تلك الخطب أسجاع كثيرة فلا ينهونهم» [٢]. و قال ابن وهب إنّ الرسول الكريم أنكر ذلك لأنّ المتكلم أتى به في بعض كلامه و منطقه و كان ذلك على سجية الانسان و طبعه فهو غير منكر و لا مكروه بل أتى في الحديث الشريف [٣]. و نطق به- صلّى اللّه عليه و سلّم- في بعض كلامه حتى أنّه غيّر الكلمة عن وجهها اتباعا لها باخواتها في السجع فقال لابن ابنته: «أعيذه من الهامّة و السامّة و كل عين لامّة»، و إنّما أراد «ملمة» لأنّ الأصل فيها من «ألمّ فهو ملمّ». و رأى ابن الاثير أنّ الرسول العظيم لم يذم السجع كله و انما ذمّ ما كان مثل سجع الكهان لا غير، و قد ورد في القرآن الكريم.
و علل ذم بعضهم للسجع بقوله: «و قد ذمه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة، و لا أرى لذلك وجها سوى عجزهم أن يأتوا به، و إلا فلو كان كان مذموما لما ورد في القرآن الكريم فانه قد أتى منه بالكثير حتى ليؤتى بالسورة جميعها مسجوعة كسورة الرحمن و سورة القمر و غيرهما. و بالجملة فلم تخل منه سورة من السور» [٤]. و قال الكلاعي:
«و الذي عندي في هذا أنّ النثر و النظم أخوان فكما لا يقدح في النظم تكلف الوزن و القافية، كذلك لا يقدح في النثر تكلف السجع» [٥].
و قسّم ابن الاثير التسجيع أو السجع الى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون الفصلان متساويين لا يزيد أحدهما على الآخر، كقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [٦].
الثاني: أن يكون الفصل الثاني أطول من الأول كقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَ أَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً. إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً. وَ إِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً [٧].
الثالث: أن يكون الفصل الآخر أقصر من الأول، و هو عند ابن الاثير عيب فاحش، و ذلك أنّ السجع يكون قد استوفى أمده من الفصل الأول بحكم طوله ثم يجيء الفصل الثاني قصيرا عن الأول فيكون كالشيء المبتور فيبقى الانسان عند سماعه كمن يريد الانتهاء الى غاية فيعثر دونها.
ثم قسّمه على اختلاف أنواعه الى نوعين:
الأول: القصير، و هو أن تكون كل واحدة من السجعتين مؤلفة من ألفاظ قليلة و كلّما قلّت الألفاظ كان أحسن لقرب الفواصل المسجوعة من سمع السامع. و هذا الضرب أوعر السجع مذهبا و أبعده متناولا و لا يكاد استعماله يجيء إلا نادرا.
الثاني: الطويل، و هو ضد الأول لأنّه أسهل متناولا [٨].
و كل واحد من هذين الضربين تتفاوت درجاته في عده ألفاظ، أما السجع القصير فأحسنه ما كان مؤلفا من لفظتين لفظتين كقوله تعالى: وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً. فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً [٩]. و منه ما يكون مؤلفا من ثلاثة ألفاظ و أربعة و خمسة، و كذلك الى العشرة. و أمّا السجع الطويل فانّ درجاته تتفاوت أيضا في الطول فمنه ما يقرب من السجع القصير و هو أن يكون
[١] البيان ج ١ ص ٢٨٩.
[٢] البيان ج ١ ص ٢٩٠.
[٣] البرهان ص ٢٠٩.
[٤] المثل السائر ج ١ ص ١٩٣.
[٥] إحكام صنعة الكلام ص ٢٣٦.
[٦] الضحى ٩- ١٠.
[٧] الفرقان ١١- ١٣.
[٨] المثل السائر ج ١ ص ٢٣٨، الجامع الكبير ص ٢٥٣.
[٩] المرسلات ١- ٢.