معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٥٠٧ - السرقة
يكون في البديع الذي ليس للناس فيه اشتراك» [١] و قال إنّ السرقة ليست من «كبير مساوئ الشعراء و خاصة المتأخّرين إذ كان هذا بابا ما تعرّى منه متقدّم و لا متأخّر» [٢].
و عني العسكري بهذا النوع و تحدّث عن حسن المأخذ و قبحه، و يريد بحسن المأخذ أن يؤخذ المعنى و يكسى لفظا جديدا أجود من لفظه الأوّل، و يريد بالقبيح أن يعمد الى المعنى و يؤخذ لفظه كله أو أكثره أو يخرج في معرض مستهجن [٣].
و تحدّث القاضي الجرجاني عنها و ذكر أنّ المعاني المشتركة و المتداولة لا تعدّ سرقة، قال: «فمتى نظرت فرأيت أنّ تشبيه الحسن بالشمس و البدر و الجواد بالغيث و البحر و البليد البطيء بالحجر و الحمار، و الشجاع الماضي بالسيف و النار و الصب المستهام بالمخبول في حيرته و السليم في سهره، و السقيم في انينه و تأمله امور متقرره في النفوس متصورة للعقول يشترك فيها الناطق و الأبكم و الفصيح و الأعجم و الشاعر و المفحم حكمت بأنّ السرقة عنها منتفية و الأخذ بالاتباع مستحيل ممتنع [٤] و لا تطلق السرقة إلا على الأمور المنسوبة لشاعر أو كاتب بعينه.
و تحدّث ابن رشيق عنها و قال: «هذا باب متسع جدّا لا يقدر أحد من الشعراء أن يدّعي السلامة منه و فيه أشياء غامضة إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، و أخر فاضحة لا تخفى على الجاهل المغفل» [٥].
و حصر السرقات في الأنواع البديعية فقال: «السرقة إنما تقع في البديع النادر و الخارج عن العادة و ذلك في العبارات التي هي الألفاظ» [٦].
و درس عبد القاهر السّرقات، و قال إنّ المعاني العقلية يتّفق فيها العقلاء، و التخييلية يختص بها كل شاعر أو أديب عن غيره [٧]. و قال إنّ السرقة ليست مجرّد لفظ و معنى و إنما الأمر صياغة و تصوير [٨]، و هذا يرجع الى إيمانه بالنظم الذي هو توخي معاني النحو.
و عقد ابن فصولا مختلفة عن السرقة [٩]، و كان ابن الأثير قد وقف طويلا عندها و تحدث عن أقسامها كالنسخ و السلخ و أخذ المعنى مع الزيادة عليه و عكس المعنى الى ضده [١٠].
و دخلت السرقات في كتب البلاغة حينما وضع القزويني كتابيه «التلخيص» و «الايضاح» فبعد أن انتهى من بحث فنون البديع ذكر أنّ لهذا العلم ملحقات لا ينبغي إهمالها و هي السرقات الشعرية و الابتداء و التخلص و الانتهاء [١١]، و هذا اتجاه جديد في دراسة هذا الموضوع. فقد تكلم عليها السابقون مع فنون البلاغة و النقد الأخرى و لم يجعلوها من البديع أو يلحقوها به. و قد أثارت هذه المسألة بعضهم فتساءل العلوي قائلا: «هل تعدّ السرقة الشعرية من علم البديع أو، لا؟» و أجاب أنّ للمسألة وجهين:
أحدهما: أنّها تكون معدودة فيه لأنّ كل واحد من السابق و اللاحق إنما يتصرف في تأليف الكلام و نظمه و ترديده بين الفصيح و الأفصح و الأقبح و الأحسن، و هذه هي فائدة علم البديع و خلاصة جوهره.
و ثانيهما: أنّها غير معدودة في علم البديع؛ لأنّ معنى السرقة هو الأخذ و مجرد الأخذ لا يكون متعلقا بأحوال الكلام و لا بشي من صفاته فلأجل
[١] الموازنة ج ١ ص ٥٢، و تنظر ص ٣٢٦.
[٢] الموازنة ج ١ ص ٢٩١.
[٣] كتاب الصناعتين ص ٢١٦.
[٤] الوساطة ص ١٨٣.
[٥] العمدة ج ٢ ص ٢٨٠.
[٦] قراضة الذهب ص ١٤.
[٧] اسرار البلاغة ص ٣٠٢، ٣٨٣، ٣٨٥.
[٨] دلائل الاعجاز ص ٣٧٣، ٣٨٥.
[٩] البديع في نقد الشعر ص ٢٦٤- ٢٨٣.
[١٠] المثل السائر ج ٢ ص ٣٦٦ و ما بعدها، الجامع الكبير ص ٢٤٢، و ما بعدها، كفاية الطالب ص ١٠٩.
[١١] الايضاح ص ٤٠١، التلخيص ص ٤٠٨.