معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٥٤١ - الغلو
أ ليس عجيبا بأنّ امرء شديد الجدال دقيق الكلم
يموت و ما علمت نفسه سوى علمه أنّه ما علم
و اما الغلوّ المردود فأن يتضمّن دعوى كون الوصف غير ممكن الوصف بما هو خارج عن طباع الموصوف، كقول أبي نواس:
و أخفت أهل الشرك حتى أنّه لتخافك النّطف التي لم تخلق
و تحدّث القزويني عن الغلوّ في المبالغة التي هي أحد أبواب المحسّنات المعنوية و قال «و تحصر في التبليغ و الإغراق و الغلوّ، لأنّ المدعى للوصف من الشدّة أو الضعف إما أن يكون ممكنا في نفسه أو لا، الثاني الغلوّ، و الأوّل إمّا أن يكون ممكنا في العادة أيضا أو لا، الأوّل: التبليغ و الثاني الإغراق» «١»، و المقبول من الغلوّ أصناف: أحدها: ما أدخل عليه ما يقرّبه الى الصحة نحو لفظة «يكاد» في قوله تعالى: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ «٢» و قول الشاعر يصف فرسا: و يكاد يخرج سرعة ...».
الثاني: ما تضمّن نوعا حسنا من التّخيّل كقول المتنبي:
عقدت سنابكها عليها عثيرا لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا «٣»
و الثالث: ما أخرج مخرج الهزل و الخلاعة كقول بعضهم:
أسكر بالأمس إن عزمت على الش رب غدا إنّ ذا من العجب
و تبع القزويني في هذا المعنى شرّاح التلخيص «٤»، وعدّ العلوي الغلوّ الضّرب الثالث من المبالغة و قال: «ما كان ممتنعا وقوعه و هو الغلوّ و يكاد المفلقون في الشعر يستعملونه في مدحهم و هجوهم» «٥».
و سار المدني على خطا المتأخّرين و قال: «الغلوّ هو أن تدعي لشيء وصفا بالغا حد الاستحالة عقلا و عادة، فتبين بهذا أنّ المبالغة دون الإغراق و الإغراق دون الغلوّ لما مرّ من أنّ المدعى في المبالغة ممكن عقلا و عادة و في الإغراق ممكن عقلا لاعادة، و في الغلوّ مستحيل عقلا و عادة. و الغلو إن أفضى إلى الكفر كان قبيحا مردودا و إلّا كان مقبولا، و المقبول يتفاوت في الحسن و أحسنه ما دخل عليه ما يقرّبه الى الصحة ك «كاد» و «لو» و «لو لا» و حرف التشبيه «٦».
(١) الايضاح ص ٣٦٥، التلخيص ص ٣٧٠.
(٢) النور ٣٥.
(٣) سنابكها: أطرافها، حوافرها واحدة سنبك. عثيرا:
غبارا. عنقا: سيرا سريعا.
(٤) شروح التلخيص ج ٤ ص ٣٦١، المطول ص ٤٣٤، الأطول ج ٢ ص ٢٠٨، شرح عقود الجمان ص ١٢٢، حلية اللب ص ١٢٢، و ينظر المنصف ص ٧٨، كفاية الطالب ص ٢٠٠.
(٥) الطراز ج ٣ ص ١٢٩، و ينظر المنزع البديع ص ٢٨٣، نفحات ص ٢٠١، كفاية الطالب ص ٢٠٠، شرح الكافية ص ١٥٣.
(٦) أنوار الربيع ج ٤ ص ٢٢٩.