معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٣٩ - الاحتجاج النظري
و قال عنه: «هو أن يورد المتكلم حجة لما يدعيه على طريقة أهل الكلام» [١]. و قال السبكي إنّ هذا ليس من البديع لأنّه تطبيق على مقتضى الحال فيكون من علم المعاني [٢]. و المذهب الكلامي نوعان:
الأول: الجدلي، و هو ما كانت حجته أمارة ظنية لا تفيد إلّا الرجحان، و هذا النوع كثير في كتاب اللّه من ذلك قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [٣]. تقديره: و الأهون أدخل في الامكان و قد أمكن البدء فالاعادة أدخل في الامكان من بدء الخلق. و مثله: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ [٤]. و قوله: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [٥]، و قوله قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [٦]. و من هذا النوع أبيات النابغة الذبياني:
«و لكنني كنت امرء ...».
الثاني: المنطقي: و هو ما كانت حجته برهانا يقيني التأليف قطعي الاستلزام،
و لعل ابن المعتز عنى هذا النوع حينما نفاه من القرآن، و لكن المصري قال: «و من هذا الباب نوع منطقي و هو استنتاج النتيجة من مقدمتين فانّ أهل هذا العلم قد ذكروا أنّ أول سورة الحج الى قوله:
وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [٧] منطو على خمس نتائج من عشر مقدمات. فالمقدّمات من أول السورة الى قوله تعالى: وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [٨] و النتائج من قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُ [٩] الى قوله: وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [١٠]. و تفصيل ترتيب المقدمات و النتائج أن يقال: اللّه أخبر أنّ زلزلة الساعة شيء عظيم، و خبره هو الحقّ، و أخبر عن المغيّب بالحق فهو حقّ، فاللّه هو الحق، و اللّه يأتي بالساعة على تلك الصفات و لا يعلم صدق الخبر إلا بأحياء الموتى ليدركوا ذلك. و من يأتي بالساعة يحيي الموتى فهو يحيي الموتى. و أخبر أن يجعل الناس من هول الساعة سكارى لشدة العذاب و لا يقدر على عموم الناس بشدة العذاب إلا من هو على كل شيء قدير، فاللّه على كل شيء قدير. و أخبر أنّ الساعة يجازي فيها من يجادل في اللّه بغير علم، و لا بدّ من مجازاته، و لا يجازي حتى تكون الساعة آتية.
و لا تأتي الساعة حتى يبعث من في القبور فهو يبعث من في القبور و إنّ اللّه ينزّل الماء على الأرض الهامدة فتنبت من كل زوج بهيج و القادر على إحياء الأرض بعد موتها يبعث من في القبور، و إن اللّه يبعث من في القبور» [١١].
و ذكر المصري أنّ من هذا الباب جواب سؤال مقدر كقوله تعالى: وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ [١٢] لأنّ التقدير انّ قائلا قال بعد قوله تعالى:
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [١٣]، فقد استغفر ابراهيم لأبيه فأخبر بقوله: وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ و اللّه أعلم [١٤].
فالمذهب الكلامي من أساليب القرآن الكريم و كلام العرب، و قد أوضح الحموي هذه المسألة
[١] الايضاح ص ٣٦٦، التلخيص ص ٣٧٤، شروح التلخيص ج ٤ ص ٣٦٨، المطول ص ٤٣٥، الأطول ج ٢ ص ٢٠٩.
[٢] عروس الأفراح ج ٤ ص ٣٧٢.
[٣] الروم ٢٧.
[٤] المؤمنون ٩١.
[٥] الأنبياء ٢٢.
[٦] يس ٧٩.
[٧] الحج ٧.
[٨] الحج ٥.
[٩] الحج ٦.
[١٠] الحج ٧.
[١١] تحرير التحبير ص ١١٩- ١٢٠، بديع القرآن ص ٣٨ و ما بعدها.
[١٢] التوبة ١١٤.
[١٣] التوبة ١١٣.
[١٤] تحرير التحبير ص ١٢٢.