معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٥٤٨ - الفصاحة
فيه عن شيء لطيف أو خفي أو قليل أو ما يجري مجرى ذلك فإنّها تحسن به كقول ابن أبي ربيعة:
و غاب قمير كنت أرجو طلوعه و روّح رعيان و نوّم سمّر
و هذا تصغير مختار في موضعه.
و معظم هذه الشروط تدخل في فصاحة الألفاظ المؤلّفة و الإخلال بها قد يؤدّي الى زيادة القبح و التنافر في الكلام؛ لأنّه حين تكون الألفاظ مجتمعة تحتاج الى دقة في التركيب و اختيار اللطيف منها.
و كانت الفصاحة و البراعة و البلاغة و البيان ألفاظا مترادفة عند عبد القاهر لأنّها يعبّر بها عن «فضل بعض القائلين على بعض من حيث نطقوا و تكلّموا و أخبروا السامعين عن الأغراض و المقاصد و راموا أن يعلموهم ما في نفوسهم و يكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم» «١».
و الفصاحة عنده تكون في المعنى، و ليس للكلمة المفردة كبير أهمية، و كثيرا ما تستعمل اللفظة في موضع فتكون حلوة الجرس عذبة و تستعمل في موضع آخر فتفقد تلك المزية، و إنّما كان ذلك «لأنّ المزية التي من أجلها نصف اللفظ في شأننا هذا بأنّه فصيح مزية تحدث بعد أن لا تكون و تظهر في العلم من بعد أن يدخلها النظم. و هذا شيء إن أنت طلبته فيها و قد جئت بها أفرادا لم ترم فيها نظما و لم تحدث لها تأليفا طلبت محالا، و إذا كان كذلك وجب أن تعلم قطعا أنّ تلك المزية في المعنى دون اللفظ» «٢».
و عرّف الرازي الفصاحة بأنّها «خلوص الكلام من التعقيد» «٣» و أطنب ابن الاثير في الكلام على الفصاحة و ناقش ابن سنان «٤»، و عند ما قسّم السكاكي البلاغة لم يعقد مستقلا للفصاحة و إنّما تكلم عليها بعد أن انتهى من علم البيان، و قال إنها قسمان: قسم راجع الى المعنى و هو خلوص الكلام من التعقيد، و قسم راجع الى اللفظ و هو أن تكون الكلمة عربية أصيلة، و علامة ذلك أن تكون كثيرة الدوران على ألسنة الموثوق بعربيتهم و استعمالها أكثر، لا مما أحدثه المولّدون أو أخطأت فيه العامة، و أن تكون أجرى على قوانين اللغة، سليمة من التنافر، و المراد بتعقيد الكلام أن يعثر صاحبه الفكر في متصرفه و يشيك الطريق الى المعنى «٥».
و اختصر ابن مالك القسم الثالث من «مفتاح العلوم» و تكلم على الفصاحة و أطلق عليها اسم البديع و قال: «هو معرفة توابع الفصاحة» و قال إنّ الفصاحة «صوغ الكلام على وجه له توفية بتمام الافهام لمعناه و تبين المراد منه» «٦»، و قسمها الى معنوية و لفظية و ذكر ما في «مفتاح العلوم» من صفات المعنوية و اللفظية، ثم قسم المعنوية الى مختصة بالافهام و التبيين و الى مختصة بالتزيين و التحسين.
و تحدّث القزويني عن فصاحة اللفظة المفردة و فصاحة الكلام و قال إنّ الفصاحة تقع صفة للمفرد فيقال: «كلمة فصيحة» و لا يقال «كلمة بليغة» و وضع للفظة المفردة شروطا هي: خلوصها من تنافر الحروف، و الغرابة، و مخالفة القياس اللغوي.
و تحدّث عن فصاحة الكلام و هي: خلوصه من ضعف التأليف و تنافر الكلمات، و التعقيد مع فصاحتها «٧».
و لم يخرج شرّاح التلخيص عما وضع القزويني من شروط للفظة الفصيحة و الكلام الفصيح «٨»، و هي
(١) دلائل الاعجاز ص ٣٥.
(٢) دلائل الاعجاز ص ٣٠٧- ٣٠٨.
(٣) نهاية الايجاز ص ٩.
(٤) المثل السائر ج ١ ص ٦٤، و ما بعدها، الجامع الكبير ص ٧٦ و ما بعدها.
(٥) مفتاح العلوم ص ١٩٦.
(٦) المصباح ص ٧٥.
(٧) الايضاح ص ٢، التلخيص ص ٢٤.
(٨) شروح التلخيص ج ١ ص ٧٠، المطول ص ١٥، الأطول ج ١ ص ١٥، و ينظر الروض المريع ص ٨٧- ٨٨، ١٧٣- ١٧٤، التبيان في البيان ص ٣٩٥.