معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٥٤٧ - الفصاحة
تكون إلّا وصفا للألفاظ مع المعاني. و لا يقال في كلمة واحدة لا تدلّ على معنى يفضل عن مثلها بليغة و إن قيل فيها فصيحة و كل كلام بليغ فصيح و ليس كل فصيح بليغا» «١». و لكي تكون اللفظة الواحدة فصيحة ينبغي ان تتوفر فيها ثمانية اشياء:
الأوّل: أن يكون تأليف تلك اللفظة من حروف متباعدة المخارج، و مثال التأليف من الحروف المتباعدة كثير و جلّ كلام العرب عليه، أما تأليف الحروف المتقاربة فمثل: «الهعخع».
الثاني: أن يكون لتأليف اللفظة في السمع حسن و مزية على غيرها و إن تساويا في التأليف من الحروف المتباعدة كما نجد لبعض النغم و الالوان حسنا يتصور في النفس و يدرك بالبصر و السمع دون غيره مما هو من جنسه. و مثاله في الحروف «ع ذ ب» فان السامع لقولهم: «العذيب»- اسم موضع- و «عذيبة»- اسم امرأة- و «عذب» و «عذاب» و «عذب» و «عذبات» ما لا يجده فيما يقارب هذه الالفاظ في التأليف. و ليس سبب ذلك بعد الحروف في المخارج فقط و لكنه تأليف مخصوص مع البعد و لو قدّمت الذال او الباء لم تجد الحسن على الصفة الاولى في تقديم العين على الذال لضرب من التأليف في النغم يفسده التقديم و التأخير.
الثالث: أن تكون الكلمة غير متوعرة وحشية كقول أبي تمام:
لقد طلعت في وجه مصر بوجهه بلا طائر سعد و لا طائر كهل
فان «كهلا» ههنا من غريب اللغة، و قد روي أنّ الأصمعي لم يعرف هذه الكلمة و ليست موجودة إلا في شعر بعض الهذليين و هو قوله:
فلو أنّ سلمى جاره أو أجاره رياح بن سعد ردّه طائر كهل
و قد قيل: إنّ الكهل الضخم، و «كهل» لفظة ليست بقبيحة التأليف لكنّها وحشية غريبة.
الرابع: أن تكون الكلمة غير ساقطة عامية، و مثل الكلمة العامية «تفرعن» في قول أبي تمام:
جليت و الموت مبد حرّ صفحته و قد تفرعن في أفعاله الأجل
الخامس: أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح غير شاذة و يدخل في هذا القسم كل ما ينكره أهل اللغة و يردّه علماء النحو من التصرف الفاسد في الكلمة.
السادس: أن لا تكون الكلمة قد عبّر بها عن أمر آخر يكره ذكره فاذا وردت و هي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت و إن كملت فيها الصفات كقول الشريف الرضي:
اعزز عليّ بأن أراك و قد خلت من جانبيك مقاعد العوّاد
فايراد «مقاعد» في هذا البيت صحيح إلا أنّه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشأن لا سيما و قد أضافه الى من يحتمل إضافته اليهم و هم «العوّاد» و لو انفرد لكان الأمر فيه سهلا فاما اضافته الى ما ذكره ففيه قبح لا خفاء به.
السابع: أن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف فانها متى زادت على الأمثلة المعتادة المعروفة قبحت و خرجت عن وجه من وجوه الفصاحة، و من هذا النوع قول أبي تمام:
فلاذربيجان اختيال بعد ما كانت معرّس عبرة و نكال
سمجت و نبّهنا على استسماجها ما حولها من نضرة و جمال
فكلمتا «اذربيجان» و «استسماجها» رديئتان لكثرة حروفهما.
الثامن: أن تكون الكلمة مصغّرة في موضع عبّر بها
(١) سر الفصاحة ص ٦٠.