معجم المصطلحات البلاغية و تطورها - احمد مطلوب - الصفحة ٥٥١ - الفصل و الوصل
مُهْتَدُونَ «١» فان المراد به حمل المخاطبين على اتباع الرسل، و قوله: اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ أوفى بتأدية ذلك، لأنّ معناه: لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم و تربحون صحة دينكم فينظم لكم خير الدنيا و خير الآخرة. و منه قول الشاعر:
أقول له ارحل، لا تقيمنّ عندنا و إلا فكن في السرّ و الجهر مسلما
و قد فصل «لا تقيمنّ» عن «ارحل» لقصد البدل؛ لأنّ المقصود من كلامه هذا كمال اظهار الكراهة لاقامته بسبب خلاف سره العلن. و قوله: «لا تقيمنّ عندنا» أوفى بتأدية هذا المقصود من قوله: «ارحل» لدلالته عليه بالمطابقة مع التأكيد.
أو أن تكون الثانية بيانا للأولى و ذلك بأن تنزل منها منزلة عطف البيان من متبوعة في إفادة الايضاح و المقتضي للتبيين أن يكون في الاولى نوع خفاء مع اقتضاء المقام ازالته كقوله تعالى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ، قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى «٢»، فصل جملة قالَ عما قبلها لكونها تفسيرا له و تبيينا.
و منه قول أبي العلاء:
الناس للناس من بدو و من حضر بعض لبعض و إن لم يشعروا خدم
فالجملة الثانية «بعض لبعض ...» إيضاح للاولى «الناس للناس» و هي بيان لها.
الثاني: أن يكون بين الجملتين كما الانقطاع و ذلك أن تختلف خبرا و إنشاء لفظا و معنى كقوله الشاعر:
و قال رائدهم ارسوا نزاولها فكلّ حتف امرىء يجري بمقدار
فالجملة الاولى «ارسوا» انشاء لفظا و معنى «نزاولها» خبر لفظا و معنى.
أو معنى لا لفظا مثل: «مات فلان رحمه اللّه» فالجملة الاولى خبرية لفظا و معنى و الثانية انشائية معنى لا لفظا، لأنّ لفظ الفعل خبر لا أمر.
أو أن لا يكون بين الجملتين جامع أو مناسبة بل تكون كل جملة مستقلة بنفسها مثل: «الليل رهيب، أقبل محمد» و لا صلة بين الجملتين و لذلك ترك العطف بينهما لكمال الانقطاع.
الثالث: أن تكون الجملة الثانية جوابا عن سؤال يفهم من الجملة الاولى فتنزل منزلته و يسمى هذا «شبه كمال الاتصال» أو «الاستئناف». و الاستئناف ثلاثة أضرب لأنّ السؤال الذي تضمنته الجملة الاولى إما عن سبب الحكم فيها مطلقا كقول الشاعر:
قال لي كيف أنت قلت عليل سهر دائم و حزن طويل
أي: ما بالك عليلا؟ أو ما سبب علتك؟
و قول الآخر:
و قد غرضت من الدنيا فهل زمني معط حياتي لغرّ بعد ما غرضا «٣»
جرّبت دهري و أهليه فما تركت لي التجارب في ودّ امرىء غرضا
أي: لم تقول هذا؟ و ما الذي اقتضاك أن تطوي عن الحياة الى هذا الحد؟ أي: تعرض عنها.
أو عن سبب خاص له كقوله تعالى: وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ «٤» كأنه قيل هل النفس أمّارة بالسوء؟ فقيل: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ.
أو عن غير هذين النوعين كقوله تعالى: قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ «٥» كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم
(١) يس ٢٠- ٢١.
(٢) طه ١٢٠.
(٣) غرض: ضجر و مل. الغر: من لا تجربة له.
(٤) يوسف ٥٣.
(٥) هود ٦٩.